ناقشت القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في الفجوة الرقمية، السيطرة على الشبكة والاستفادة من الشبكة. الأرقام تشير إلى أن 15% من سكان العالم يسيطرون على 90% من الشبكة والتفاوت في الثقافة الرقمية والامكانات التكنولوجية بين دول الشمال ودول الجنوب كبير جداً.
التباين موجود كذلك داخل البلد الواحد بالنسبة لدول العالم الثالث التي ما زالت الأمية تنتشر فيها بكثرة وما زالت المناطق الريفية فيها تعاني الفقر والحرمان وانعدام مستلزمات الحياة. بالنسبة للوطن العربي تشير آخر الاحصائيات إلى وجود ما يزيد على ثمانين مليون نسمة لا يعرفون القراءة والكتابة.
طرحت قمة المعلومات التي انعقدت مؤخرا في تونس وحضرها أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة و17 ألف مندوب عن 170 دولة اشكالية مهمة جداً وهي قضية الفجوة التكنولوجية التي تتسع وتكبر يوماً بعد يوم بين »الذين يملكون« و »الذين لا يملكون« بين الشمال والجنوب بين الأغنياء والفقراء.
فالانترنت أصبح اليوم وسيلة العصر والأداة الاستراتيجية المحورية في كل مجال من مجالات حياة المنظمات والأفراد. نجد هذه الأداة الاستراتيجية في التجارة وفي السياسة وفي التعليم وفي التربية وفي الرياضة وفي الثقافة وفي الإعلام وفي الدبلوماسية والقائمة قد تتسع باتساع حجم مجالات الحياة.
ففي الواقع جاءت الثورة الاتصالية لتكرس تفوق الشمال على الجنوب ولتزيد الأغنياء غنى والفقراء فقراً. فالثورة الاتصالية أدت إلى ظهور ما يسمى بالصناعات الثقافية هذه الصناعات التي غمرت العالم بإنتاجها وأدت بذلك إلى توحيد الرؤية والفكر حسب المعطيات والمبادئ والقيم التي يفرضها صاحب السلطة والجاه والمال.
والإشكالية المطروحة في الثورة الاتصالية هي أن الدول الصغيرة والفقيرة قد قدمت على شراء التكنولوجيا والوسائل والقنوات لتواكب التطور لكنها عجزت على إنتاج المعرفة والمادة الإعلامية التي توزع عبر هذه التكنولوجيات، وهكذا فإنها وجدت نفسها مضطرة إلى اقتناء البرمجيات والمادة التي تبث و توزع عبر الوسائل والتكنولوجيات المختلفة.
والتناقض المطروح هنا هو أن هذه البرمجيات وهذه المادة التي تقبل معظم الدول في العالم على اقتنائها من حفنة من الشركات العالمية لإنتاج البرامج تحمل في ثناياها قيما ومبادئ قد تتنافى وتتعارض مع قيم معظم الدول في العالم، وهذه السيطرة على الإنتاج تؤدي كذلك إلى عولمة الثقافة.
هذه المظاهر كلها لم تأت هكذا بطريقة عفوية أو بطريقة بريئة وإنما هي نتيجة لشبكة من الميكانيزمات والآليات التي تتحكم فيها قوى خفية تسيطر على المركب العسكري الصناعي الاتصالي على المستوى العالمي. وهكذا تأتي الثقافة العالمية كجزء لا يتجزأ من النظام الدولي الجديد التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية في غياب القطبية الثنائية أن تفرضه على العالم وتتربع على عرشه بما يخدم مصالحها وأهدافها التستراتيجية.
فأميركا اليوم تتحكم في شبكة الانترنت و تتربع عليها كما يحلو لها وترفض التنازل على سيطرتها أو إشراك الآخرين في إدارة الشبكة العالمية. تحاول الثقافة العالمية في إطار النظام الدولي الجديد إزاحة الآخر من الخريطة المعلوماتية والإعلامية العالمية، تحاول أن تقضي على الأقليات، على خصوصيات الشعوب وعلى الثقافات المحلية لمختلف الشعوب والحضارات.
وهكذا نلاحظ أن الهوة بين الدول المالكة لتكنولوجيا الاتصال وللصناعات الثقافية والدول المستهلكة سواء للتكنولوجيا أو لمحتواها تزيد عمقا يوماً بعد يوم ولصالح الحفنة القليلة التي تهيمن وتسيطر وتفرض ما يخدم مصالحها وأهدافها.
وهكذا فإن ظهور المجتمع المعلوماتي في الربع الأخير من القرن العشرين يضع تحديات كبيرة ومهمة جداً أمام دول الجنوب حيث ضرورة إعادة النظر في السياسة الاتصالية والإعلامية والمعلوماتية ووضع خطط جديدة تقوم على التكوين والدراسات والأبحاث والإنتاج.
فالحل الوحيد أمام دول الجنوب هو التكتل والإنتاج المشترك، فالحل إذاً يكمن في وضع سياسة اتصالية و إعلامية تقوم على أسس علمية وعلى معطيات ودراسات على مستوى كل دولة عربية، ثم التفكير في توحيد الصفوف ووضع استراتيجية اتصالية وإعلامية على مستوى الدول العربية وهذا لمواكبة المجتمع المعلوماتي وحتى لا يبقى العرب يعيشون على الهامش يستقبلون ولا يرسلون.
التساؤل الذي يجب أن نقف عنده هنا هو هل تتوفر لدى الجميع إمكانية الحصول على جهاز كمبيوتر وخط هاتفي ومبلغ مالي للاستفادة من خدمات الإنترنت، ولو فرضنا أن الجميع ينعم بخدمة الانترنت، هل ما يُقدم في الإنترنت محايد وعلمي ويخدم الجميع بنفس الدرجة؟
والسؤال الأهم هو لأي غرض يستعمل شبابنا الانترنت؟ وما هي استخدامات تكنولوجيا المعلومات؟ وهل تُسخر لخدمة العلم والمعرفة و صناعة القرار.
وبالنسبة للتساؤل الأول فيما يتعلق بدول الجنوب أو الدول النامية فالمشكل مطروح بحدة حيث أن في العديد من هذه الدول يعاني الفرد الكثير في تدبير رغيفه اليومي فما بالك بالانترنت، ففي هذه الدول مقولة ان الانترنت سينشر الديمقراطية ويعمل على تطوير المشاركة السياسية أمراً مازال بعيد المنال.
فقد تستفيد الدول النامية على الصعيد المؤسساتي من خدمات الانترنت أما على الصعيد الخاص والفردي فالنخبة البرجوازية والنخبة المثقفة القليلة هي وحدها التي تستفيد من التكنولوجيا الجديدة، وهذا يعني أن الإنترنت سيعمق الهوة بين الذي يملك والذي لا يملك.
بالنسبة لمحتوى الانترنت فالأمر لا يخرج عن القاعدة، فصاحب التكنولوجيا وصاحب الصناعة الثقافية يفرض وجوده وسلطته على الوسيلة الذي اخترعها وسيطر عليها. فالانترنت شئنا أم أبينا اختراع أميركي غير بريء ينشر الثقافة والقيم الأميركية والفكر الأميركي وطريقة الحياة الأميركية.. فالحلم إذاً بأن الانترنت هو مفتاح لحل العديد من المشكلات وتوطيد الممارسات الديمقراطية في المجتمعات النامية مازال بعيد المنال.
ما حدث وما يحدث على مستوى المعلومات على الصعيد الدولي هو سرعة وغزارة المعلومات بدرجة كبيرة جداً لا يستطيع أن يتصورها العقل البشري. والسؤال المطروح ما هي استخدامات وطاقات دول الجنوب في استغلال تكنولوجيا المعرفة والمعلومات وما هي قدرتها على استغلال المعلومة لنشر العلم والمعرفة والديمقراطية لمحاربة الجهل والفقر والاستبداد ونشر الرفاهية والعدالة الاجتماعية والعيش الشريف والكريم.
نستنتج من كل ما تقدم أن الانترنت وتكنولوجيا الاتصال والعولمة أمور تصب في إناء واحد وهو التوجه نحو القضاء على التعددية والاختلاف الثقافي أو كما يسميها ولفجونج ساكس »التبخر الثقافي« أو »الانجراف الثقافي« والتوجه نحو العولمة الثقافية التي تؤمن بنظام قيمي موحد على المستوى العالمي.
هذه الآليات بطبيعة الحال ليست بريئة وإنما تخدم من يملك القوة والجاه والفكر كما أسلفنا سابقاً. فالذي لا يصنع المعرفة ولا يستثمر في البحث العلمي ويعتمد على استهلاك ما ينتجه الآخرون محكوم عليه بالخضوع والخنوع والانبطاح والتبعية.
والانترنت ما هو إلا صيغة من صيغ الوسائط التكنولوجية المتطورة التي تنقل الثقافة الفاعلة (التي تقصي الثقافات الأخرى) وتجسد العولمة. هذا لا يعني أنه يجب على العرب عزل أنفسهم عن العالم أو مقاطعة الانترنت، المطلوب هو محاولة استغلال الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات عن طريق الإنتاج والإبداع والبحث العلمي وهذه الأمور لا تتأتى إلا بتحرير العقل وبتحرير الفرد العربي.
فالحضور العربي على الشبكة لا يكاد يذكر واستخدامات الشبكة إلى وقتنا هذا ما زالت في معظمها محصورة في الأمور الشكلية على حساب الأمور الجادة والعلمية. فتقليص الفجوة الرقمية يأتي بتخصيص موازنات ضخمة للبحث العلمي والاهتمام بالباحثين والعلماء والتعليم ومؤسسات ومراكز البحوث والدراسات، والاستثمار في الصناعات الثقافية والإعلامية.
من جهة أخرى يتوجب على الدول العربية دعم تكنولوجيا المعلومات والعمل على نشرها وجعلها في متناول الجميع والاستثمار في صناعة تكنولوجيا المعلومات وإنشاء مدن ومناطق للانترنت والإعلام والصناعات الثقافية.
أستاذ الإعلام ـــ جامعة الشارقة