أكدت معظم دراسات التنمية أنه كلما كانت عمليات التنمية قائمة ومستمرة في المجتمع ، تغيرت المشاكل التي يواجهها المجتمع من زمن لآخر، وأنه كلما كانت المشاكل التي يواجهها المجتمع ثابتة وغير متغيرة، دل ذلك إما على ركود المجتمع أو عدم نجاح خطط التنمية.
إن مجتمع الإمارات العربية المتحدة من المجتمعات التي تعيش حالة من التنمية المستمرة، وبناء عليه تتغير المشاكل التي تواجهها من فترة لأخرى. ففي السابق ومع بداية تأسيس الدولة كان المجتمع الإماراتي يعاني من قلة المتعلمين والمتخصصين من المواطنين في المجالات المختلفة، مما اضطر القائمين على الأمر إلى الاستعانة بخبرات وأيد عاملة عربية وأجنبية على حد سواء.
اليوم تُخرج مؤسساتنا التعليمية سنويا آلافاً من الطلبة المتخصصين في مجالات مختلفة لكنهم لا يجدون فرص العمل المناسبة نظرا لمزاحمة الوافدين لهم في مجالات العمل المختلفة، مما أدى في نهاية الأمر إلى تزايد عدد المواطنين العاطلين عن العمل. لمواجهة هذا الموقف تعالت صيحات التوطين وضرورياته بشكل خاص في القطاع الحكومي.
وأقدمت كثير من وزارات ومؤسسات الدولة على العمل على توطين الوظائف. بعض هذه المؤسسات نجح في ذلك والبعض الآخر مازال يتخبط، وبعض هذه المؤسسات ابتدأ بتطبيق خطط التوطين ثم تراجعت عن إتمامها لأسباب غير معروفة وانتهج بدلا من التوطين »التغريب« »والأمركة«.
الحديث عن التوطين مرت عليه سنوات عدة ولكننا حتى هذه اللحظة لم نستطع حصر وإيجاد الحلول الشافية لهذه القضية الوطنية المؤرقة. القارئ المتأني لهذه القضية والمطلع على تجارب الدول المجاورة يصل إلى نتيجة واحدة وهي انه لكي تحل هذه الإشكالية لا بد من تحقق بعض الأساسيات والتي بدونها سنظل في حالة من التخبط والتجريب مما سيفاقم من المشكلة وتداعياتها الاجتماعية السلبية.
أولى هذه الأساسيات استصدار قرار سياسي ملزم لجميع المؤسسات الحكومية منها والخاصة بتوظيف المواطنين وبأن تكون الأولوية في التوظيف للمواطن، وكل حسب قدراته وتخصصه. أيضا يجب ألا ننظر إلى قضية التوطين باعتبارها متطلباً طارئاً فرضته علينا الأوضاع الاقتصادية ولكن كحق وطني، ومتطلب طبيعي لتحقيق خططنا الوطنية للتنمية الاجتماعية الشاملة،
حيث أنه لا يمكن أن تتحقق أية خطط تنموية وطنية إذا لم تواكبها وتتكامل معها خطط لتنمية واستثمار الموارد البشرية المواطنة. ان عملية التوطين لا يجب التعامل معها كعملية إحلال فرد مواطن محل فرد آخر وافد، بل ينبغي منا التعامل معها في إطار قضية وطنية اكبر وهي تنمية الموارد البشرية المواطنة حسب متطلبات الدولة وحاجاتها،
والسعي لتوفير كافة الظروف المساعدة لاستثمار قوة العمل الوطنية بحيث تصبح قادرة على إثبات وجودها والمنافسة على كافة المستويات. يجب ألا تكون عملية التوطين مجرد عملية تسكين مؤقتة لحل مشكلة البطالة بين الخريجين الشباب، بل يجب أن تكون عملية تدريب وتأهيل لجميع المواطنين بحيث يشغل كل واحد منهم الوظيفة التي تتناسب مع إمكانياته وقدراته.
كما يجب ان نحرص على توطين قطاع الموارد البشرية في جميع مؤسساتنا، خاصة مواقع اتخاذ القرار فيها، حيث أنه ثبت وبالتجربة أنه متى ما كان شاغل وظيفة صنع القرار في قطاع الموارد البشرية في كل المؤسسات غير مواطن كلما زادت نسبة غير المواطنين في المؤسسة وخاصة الذين هم من نفس جنسية صانع القرار،
فالهندي يستقطب الهنود والمصري يستقطب المصريين، واللبناني يستقطب اللبنانيين، والأميركي يستقطب الأميركيين وهكذا دواليك، وكل هذا يتم على حساب المواطن. صاحب قرار التوظيف هنا غير ملام لأنه وببساطه كل واحد منا يحمل في داخله التزاما وطنيا وأخلاقيا تجاه وطنه وأبناء ملته، والمسؤول عن قرار التوظيف، غير المواطن، ليس باستثناء من ذلك خاصة إذا لم يوجد هناك قانون يلزمه بعكس ذلك.
النقطة الأخيرة والأهم في قضيتنا هذه هي استعدادنا لتحديات ومتطلبات العولمة وشروط ومعايير منظمة التجارة العالمية؛ إن دولة الإمارات العربية تتطلع للانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وقد قطعت أشواطا، كما صرحت وزيرة الاقتصاد، في ما يتعلق بمناقشة ومباحثة شروط المنظمة.
نحن نعلم جميعا ان منظمة التجارة العالمية سوف تعمل على إقرار أنظمة ومعايير جديدة لتنظيم العلاقات التجارية بين الدول الأعضاء، وسيكون جميع الأعضاء خاضعين لها دون استثناء. أول هذه المعايير تشجيع الانفتاح الاقتصادي، وإلغاء القيود التجارية والتي من ضمنها القيود التي تفرض على العمالة؛ وهذا في حد ذاته يشكل خطرا على العمالة الوطنية ويتناقض تماما مع خطط التوطين،
خاصة وأن البرامج المستقبلية لمنظمة التجارة العالمية تهدف إلى عرض الوظائف المتاحة في جميع الدول الأعضاء على الانترنت موضحة الشروط المطلوب توافرها فيمن سوف يشغلها؛ وستتاح الفرصة لمن تتوافر فيه الشروط من أبناء الدول الأعضاء،
مما سيشكل تهديدا وتحديا كبيرا لأبنائنا المواطنين الذين سيكونون فاقدين لكثير من شروط التوظيف العالمية التي تتطلبها المنظمة؛ والخوف هنا من أن تطبق علينا الدول الأعضاء في المنظمة برعاياها الذين يملكون التقنية والمهارات والخبرة الطويلة والتمرس في المهنة.
إن جهود التوطين تحدث اليوم في ظل ظرف دولي يتسم بشراسة المنافسة ولن يثبت فيه الا من يملك المؤهلات والمهارات العالمية المطلوبة لشغل الفرص الوظيفية المستقبلية. بناء عليه، يتحتم علينا ان نأخذ هذه التحديات المستقبلية بعين الاعتبار ونحن نتعامل مع قضية التوطين،
ويجب علينا ألا نعتبر التوطين مجرد إحلال، بل قضية استثمار نوعي وكمي لكوادرنا الوطنية، بحيث تكون مؤهلة وقادرة على خوض المنافسة المستقبلية، لأنه ببساطه دعم وتمكين العمالة الوطنية ما هو إلا دعم وتمكين للاقتصاد الوطني وتثبيت وتعزيز لهويتنا الوطنية.
جامعة الإمارات