هل انعقد »مؤتمر الوفاق الوطني العراقي« بمبادرة خفية من واشنطن أو على الأقل بعد ضوء أخضر منها؟هذا تساؤل مسكوت عنه.. مع أنه السؤال المفتاحي الذي ينبغي أن يطرح. فالقوى السياسية العراقية المتشاركة في السلطة ليس مسموحاً لها ابتدار أي تحرك سياسي مهم دون الرجوع إلى الإدارة الأميركية من خلال السفير الأميركي زلماي خليل زاده الحاكم الفعلي في بغداد.

لكن وراء السؤال سؤال: إذا افترضنا أن مبادرة عقد مؤتمر الوفاق صدرت فعلاً عن إدارة بوش بالتشاور مع السفير زاده أو وافقت واشنطن عليها بعد صدورها عن أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى فما الذي دفع بالإدارة الأميركية إلى تبني هذا التوجه؟

هناك احتمالان:

إما أن الرئيس بوش قرر مبدئياً ـ تحت ضغط ضربات المقاومة العراقية المتعاظمة وما أفرز من ضغط سياسي داخلي في الولايات المتحدة على إدارته ـ تصفية الوجود الاحتلالي الأميركي في الأراضي العراقية نهائياً.. وإما انه قرر العكس: أي بقاء القوات الأميركية إلى أجل غير مسمى.

وفي أي من الحالين يحتاج بوش إلى غطاء سياسي يبرر تحركه. ومن هنا جاءت كما يبدو فكرة عقد مؤتمر للوفاق الوطني العراقي.فإذا كانت الإدارة الأميركية قد توصلت إلى قناعة بالانسحاب الكامل من العراق فإن نتائج مؤتمر الوفاق وفي مقدمتها اتفاق شامل على وضع جدول زمني »لانسحاب القوات الأجنبية« كما ورد في نص البيان الختامي ـ تتيح للولايات المتحدة مخرجاً مشرفاً بأن يدعي الرئيس بوش ان قراره بالانسحاب جاء تلبية لإجماع عراقي شامل.

أما بالنسبة إلى الاحتمال الثاني فإن للإدارة الأميركية أجندة جاهزة ربما لا يزال الرئيس بوش مصراً على التمسك بها وإنفاذها رغم تعاظم المقاومة العراقية من ناحية وتصاعد الهجوم السياسي على إدارته في الداخل.

محور الأجندة الجاهزة هو المراهنة على الانتخابات العراقية المقرر أن تجرى في منتصف ديسمبر لتفرز حكومة عميلة »تناشد« الولايات المتحدة الإبقاء على وجود قواتها الاحتلالية »إلى ان يكتمل تدريب وتجهيز قوات عراقية بقدر كاف مما يمكنها من مجابهة المقاومة المسلحة لوحدها«.

وفي هذه الحالة فإن بوسع إدارة بوش تأويل مقررات اجتماع الوفاق العراقي وكأنه إجماع يمهد لتنفيذ الأجندة الأميركية.وفي هذا السياق نلاحظ أنه ما كاد بيان مؤتمر الوفاق العراقي يذاع حتى أعلن الرئيس العراقي جلال طالباني أنه يرى أن تبقى القوات الأميركية لمدى عامين آخرين.

في كل الأحوال فإن المصير العراقي يبقى مرتهناً إلى مدى اشتداد ضربات المقاومة العراقية.ومدى اشتداد العاصفة النقدية ضد الإدارة داخل الولايات المتحدة بحيث يضطر الرئيس بوش عند نقطة مستقبلية ما إلى الانحناء .. تماماً كما جرى لسلفه ليندون جونسون في منتصف سبعينات القرن الماضي إزاء ملحمة الحرب الفيتنامية.