شهد مقر جامعة الدول العربية في القاهرة قبل أيام قليلة أول اجتماع للساسة العراقيين تمت عملية اختيارهم بطريقة انتقائية شديدة الحساسية، بهدف تحقيق المصالحة الوطنية وفتح حوار بين الجهات العراقية المتصارعة.
والحقيقة أن وصول نسبة كبيرة من الساسة العراقيين إلى القاهرة يعتبر خطوة غير مسبوقة منذ احتلال العراق وقد يشكل أولى خطوات النجاح، إلا أنه من السابق لأوانه تعليق آمال عريضة على هذا اللقاء، ذلك لأن الأوضاع في العراق في غاية التعقيد من جهة وأن الذين يملكون زمام الأمور فعلاً على الأرض وهما المقاومة العراقية والمليشيات المسلحة المختلفة من جهة أخرى لم يشاركوا بشكل مباشر في مؤتمر القاهرة.
نعم، بعد أكثر من سنتين ونصف على احتلال العراق استطاع العرب أخيراً أن يبدأوا تحركاً عملياً ملموساً تجاه القضية العراقية التي أصبحت الشغل الشاغل ليس فقط في العالم العربي ولكن في جميع أنحاء العالم.
ففي الولايات المتحدة مثلاً أصبحت القضية العراقية على رأس أهم القضايا التي تناقش في الدوائر الإعلامية والسياسية وأصبح على الرئيس الأميركي وأعضاء إدارته أن يواجهوا الداخل الأميركي بما فيه من ديناميكية سريعة ومتغيرة رسمياً وشعبياً تجاه التطورات في العراق والخارج الرافض للسياسة الأميركية في العراق كما ترجمته نتائج الزيارة الأخيرة للرئيس جورج بوش في بعض الدول الآسيوية.
وهنا قد يتساءل المرء عما إذا كان هناك علاقة مباشرة بين ما حدث في القاهرة من تطور إيجابي وبين وجود رغبة عارمة للتأسيس لانسحاب أميركي تدريجي من العراق من قبل صناع القرار في واشنطن الذين أصبحوا في حرج بسبب الفشل الأمني والسياسي والعسكري الأميركي الواضح.
ولماذا يكون الأمر غريباً إذا افترض أي أحد أن تكون واشنطن هي التي أوعزت بمثل هذا التحرك العربي الذي طال انتظاره لأنها أدركت أن مشروعها السياسي الكامل في العراق أصبح ينتقل من فشل إلى آخر، تارة بسبب فضائح السلطة العراقية وسيطرة نزعة الثأر والانتقام من قبل بعض مسؤوليها،
كما حدث في قضية تعذيب الأسرى في سجون وزارة الداخلية، وإغراق بعض المسؤولين العراقيين في قضايا الفساد ونهب المال العام، وتارة أخرى بسبب تزايد عمليات المقاومة العراقية التي تستهدف القوات الأميركية ووحدات الشرطة والحرس الوطني مما يعني أن الأمن والاستقرار وعملية إعادة البناء لن تتحقق في المستقبل القريب.
ولكن هل بإمكان اجتماع القاهرة أن ينجح في توفير مخرج عربي للمأزق الأميركي الراهن في العراق، أم أنه ربما قد يؤدي إلى المزيد من الانقسامات في صفوف العراقيين لاسيما وأن الدول العربية التي شجعت مثل هذا الاجتماع لم ترفض الحرب الأميركية على العراق،
وبعضاً منها فتحت أراضيها لانطلاق القوات الأميركية لاحتلال العراق، ولهذا فقد ينظر معظم العراقيين، سواء كانوا سنة أو شيعة أو أكراداً بعين الشك إلى هذا التحرك، وكل لأسبابه الخاصة.
بالمقابل لا يمكن لأحد أن يستثني رغبة العديد من الدول العربية في لعب دور فاعل ومحوري في إعادة صياغة العراق الجديد وذلك بهدف مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد والمثير للقلق داخل العراق وما لهذا الأمر من تداعيات مستقبلية على أمن واستقرار العديد من الدول العربية لاسيما المجاورة للعراق وإيران معاً.
فلا أحد ينكر نجاح إيران في التأثير على مجريات الأمور في العراق، بل لا أحد ينكر أيضاً أن إيران هي المستفيد الأول من الوضع العراقي الحالي لاسيما وأن عملية إعادة رسم الخارطة السياسية للعراق الجديد أصبحت تطبخ عملياً في طهران وليس فقط في واشنطن، وبالتأكيد من دون مشاركة عربية حقيقية وفاعلة.
على أية حال، يبدو أن مؤتمر الوفاق في القاهرة استطاع أن يضع الحجر الأساس لخروج القوات الأميركية من العراق بغطاء عربي وذلك من خلال التنديد بالإرهاب، واعتبار المقاومة حقاً مشروعاً والعمل على جدولة انسحاب القوات الأجنبية وبناء الجيش الوطني وإدانة تكفير الشعب العراقي في إشارة إلى تنظيم القاعدة في العراق.
وقد نص البند المتعلق بالقوات الأجنبية على »المطالبة بانسحاب القوات الأجنبية وفق جدول زمني، وبوضع برنامج وطني فوري لإعادة بناء القوات المسلحة تدريباً وإعداداً وتسليحاً على أسس سليمة تمكنها من حماية حدوده ومن السيطرة على الوضع الأمني«.
كما أشارت العديد من المصادر إلى وجود سقف زمني لانسحاب القوات الأجنبية من العراق يبدأ بتحجيمها بداية خارج المدن العراقية الرئيسية خلال ستة أشهر، وتستمر فترة الانسحاب سنتين. ويبدو أن هذا التصور جاء بناء على اقتراح أميركي حاز على موافقة الأطراف العراقية المشاركة في المؤتمر.
وفي السياق نفسه صرح وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد أن إدارة الرئيس جورج بوش تدرس إمكانية سحب ما بين 20 إلى 60 ألف جندي أميركي من العراق بعد إجراء الانتخابات في شهر ديسمبر المقبل.
المهم في هذه المرحلة وبغض النظر عن الدوافع وراء انعقاد هذا المؤتمر أن يعي العراقيون أهمية الاتفاق على الخطوط العريضة لعملية إنقاذ وطنهم من التقسيم والطائفية وإعادة بنائه على أسس صحيحة ومتينة. وهذا يتطلب بداية وخصوصاً في هذه المرحلة دعم المقاومة المشروعة وبأشكالها المختلفة حتى تحقق جلاء جميع القوات الأجنبية من الأراضي العراقية.
بات جلياً أن الولايات المتحدة لم تعد تؤمن بأن بقاءها العسكري في العراق سيخدم مصالحها الاستراتيجية لأن العراق في وضعه الحالي، وإذا ما بقي على حاله، أصبح وسيكون ملاذاً آمناً لأعدائها من أعضاء القاعدة مروراً بالتأثير الإيراني القوي وانتهاء بالرضى الأوروبي والصيني والروسي الخفي حيال عملية الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسياسي التي أصبحت تعاني منها الولايات المتحدة.
إن مؤتمر الوفاق في القاهرة هو فرصة حقيقية للعراقيين لتغيير ما هو قائم على الأرض من حقائق مؤلمة وهو فرصة للأميركيين للحديث صراحة في الآليات العملية التي من شأنها أن تقود إلى خروج قواتهم العسكرية من كل العراق. وهذا ينبئ بأن الدول العربية والجامعة العربية ستلعب دوراً بارزاً في المستقبل القريب برضى ومباركة عراقية وأميركية ودولية.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com