منذ توجيه الاتهام بالكذب تحت القسم وعرقلة العدالة إلى لويس ليبي مدير مكتب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني وكرة الثلج تكبر في العراق. وفي خلفية المشهد العام الأطروحات التي راجت عشية الحرب على العراق بأن نظام صدام يملك ترسانة من أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيميائية والنووية، وأنه على علاقة بالإرهاب الدولي وتنظيم »القاعدة« تحديدا، ما يبرر شن الهجوم عليه عملا بنظرية »الحرب الاستباقية«.

تكبر كرة الثلج نتيجة اتضاح المأزق الذي يعيشه الاحتلال في العراق واستمرار العنف وفقدان الخدمات ووقوف البلد على شفير الفوضى الشاملة ولقد أدى ذلك كله إلى تراجع مؤكد في شعبية الرئيس جورج بوش والى تضاؤل الثقة بإدارته للأوضاع العامة بما في ذلك الحرب على الإرهاب، ومن معالم هذا التراجع تجرؤ الحزب الديمقراطي على المطالبة بوضع جدول زمني للانسحاب وتبروء الحزب الجمهوري من الانضباط الحرفي بأطروحات الإدارة.

الواضح أن بوش اختار الرد على الهجوم بهجوم مضاد، وسرعان ما دخل تشيني الحلبة ومعه دونالد رامسفيلد وكوندوليزا رايس وستيفن هادلي وغيرهم، ومثل العادة في مثل هذه الحالات فإن الفريق الذي كان »رائدا« في التشجيع على الخيار العسكري يتقدم ليحتل موقعه في السجال مسخرا لذلك قوته النارية الإعلامية التي ظهرت فاعليتها في مرات سابقة.

وإذا كانت الإدارة اختارت أسلوباً للدفاع يقوم على الدعوة إلى الاستمرار في السياسة عينها فإن »المحافظين الجدد« يذهبون ابعد من ذلك عندما يطالبون ليس بالاستمرار فقط وإنما بتعظيم الوسائل التي جرى اللجوء إليها من أجل تنفيذ هذه السياسة.

تطور الإدارة حجة تقول إن قرار الحرب اتخذ عبر وسائل ديمقراطية وتأسيسا على معطيات معينة جعلت الأكثرية توافق، وهكذا فإن الذين يعترضون اليوم قائلين ان بوش ضلل الرأي العام إنما »يعيدون كتابة التاريخ«، إن الكذبة الفعلية هي القول بأن بوش كذب.

تعتمد خطة الدفاع عن الإدارة المحاور التالية:

1ـــ عندما اتخذ بوش قرار الحرب فعل ذلك بناء على معلومات كان يعتقد أنها صادقة، ولقد وردت هذه التقارير في تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية وفي تقارير الأجهزة المشتركة، لقد كانت هذه »الوثائق« تتحدث عن ترسانة لا بل أكثر من ذلك، عن لجوء بغداد إلى تفعيل برامجها.

2ـــ لم يكن هذا الوضع خاصية أميركية، فالأجهزة »الصديقة« كلها كانت تشترك في هذا التقدير بدليل ما كان يقوله البريطانيون والألمان والروس والإسرائيليون والفرنسيون.

3ـــ لم تكن معلومات المفتشين الدوليين التابعين للأمم المتحدة بعيدة عن هذه الأجواء، ولا يدور الكلام هنا عن ريتشارد باتلر وتقاريره المغرضة وإنما عن هانز بليكس المقدم بصفته رجلا فوق الشبهات.

4ـــ استندت إدارة الرئيس بوش إلى مواقف الإدارة السابقة في هذا المجال، ويتم هنا إيراد كم من التصريحات للرئيس بيل كلينتون ولنائبه آل غور، ولوزيرة خارجيته مادلين أولبرايت ولمستشاره لشؤون الأمن القومي صموئيل بيرغر، ولوزير دفاعه وليام كوهين، وتفيد كل هذه التصريحات أن الفريق الحاكم مع بوش لم يخترع شيئا جديدا.

5ـــ ويتم إدخال المشرعين الديمقراطيين في هذه الحملة المضادة، لقد كانوا يؤكدون وجود الترسانة ويدعون إلى تدميرها ووصل بعضهم إلى حد تحذير الإدارة الجديدة من أي تساهل في هذا المجال.

6ـــ ويختم المدافعون عن الإدارة باستعراض افتتاحيات الصحف الأميركية الكبرى غير المؤيدة للجمهوريين ولكنها قالت قولهم.

7ـــ يتم الاستناد إلى تقارير أصدرتها لجان تحقيق للحسم في أن الإدارة لم تضغط على الاستخبارات من اجل أن تعمد هذه إلى تكييف معلوماتها لخدمة قرار متخذ مسبقا.

وفي موازاة هذا الهجوم المضاد الذي تشنه الإدارة تقوم شبكة إعلامية هائلة الاتساع بالمواكبة. تلعب الإذاعات دوراً محورياً في هذا السجال وخاصة تلك التي تقدم منابر لغلاة »الدعاة« المتطرفين الذين يستمع إليها يوميا عشرات ملايين الأميركيين وكذلك تلعب »فوكس« دورا بالغ الأهمية، على الصعيد التلفزيوني، في صد الهجمات التي تتعرض إليها الإدارة.

ومن الأساليب الجديدة المستخدمة ما يعرف بـ »البلوغ« حيث تلاحظ دراسة علمية أن كفة اليمين الأميركي راجحة في المواقع التي تتعاطى السياسة وهي كلها تشارك في إطلاق نار كثيف على كل من يظهر ترددا في دعم الحرب حتى نهايتها.

وإذا كان السياسيون يردون على السياسيين فان الإعلام يرد على الإعلام وهكذا فان الوسائل الموالية للإدارة تختص في الهجوم على الوسائل الإعلامية المتهمة بـ»ليبراليتها« و»تراجع حسها الوطني« و»خيانة الجنود«، وهنا أيضا تتردد الحجة القائلة بأن صحفا مثل »نيويورك تايمز« و»واشنطن بوست« ومحطة مثل »سي.إن.إن« لم تقدم معطيات مخالفة عشية الحرب ولذلك لا يحق لها الآن تقديم دروس حتى لو أن بعضا منها أقدم على نقد ذاتي.

إن من يتابع المشهد عن كثب يهيأ له أن العراق كان زاخراً بالفعل بأنواع الأسلحة التدميرية ولكن عند التدقيق، تبين أن الحجة المركزية المستخدمة دفاعا عن الإدارة والتهمة الموجهة إليها هي أن الجميع كان على ضلال وإذا كان من احد كذب فإن الكل كذبوا!

إنها سابقة، وهي سابقة استولدت ولا تزال دمارا هائلا. فإذا كان بالإمكان التخفيف من تهمة جهة أميركية بأنها كذبت بالقول إن خصومها كذبوا أيضا يبقى ضروريا التساؤل عن كيفية النظر إلى المشهد إياه من الزاوية العراقية والعربية، أين العزاء في أن الكذب ليس اختصاص الإدارة وحدها«؟

كاتب لبناني