تكثفت في الساعات الأخيرة التحركات العربية على خط بيروت ـــ دمشق. أهميتها تكمن ليس في التوقيت فقط، بل أيضاً في طابع الاستعجال الذي أخذته، كما في الطروحات والمبادرات التي حملتها. والواضح من هجمتها أنها تسعى لاستلحاق الأمور، قبل أن يباغتها الزمن وتكون قد وصلت إلى الطريق المسدود.

فالعلاقات السورية ـــ اللبنانية المأزومة بلغ تدهورها حداً بات يهدد بتداعيات مؤذية للبلدين. وكذلك صار استحقاق 15 ديسمبر على الباب والتحقيق مع المسؤولين السوريين في قضية اغتيال الحريري لا يزال يراوح مكانه مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر عودة الموضوع إلى سيف مجلس الأمن.

ومن هنا صار من الضروري ليس فقط دعم وتزخيم هذه التحركات ورفدها بما أمكن من عوامل النجاح، بل أيضاً عدم السماح لها بالانتكاس. فهي بحكم كونها محاولات ربع الساعة الأخير لا بد وأن يكون الفشل فيها من الممنوعات، لأن البدائل عواقبها وخيمة، وتسارع الحركة يعكس هذه الحقائق ويدل على أن الجميع مدرك للمخاطر التي يختزنها المشهد وتعقيداته. ومن هنا كانت كثرة الرسائل والمراسيل على خط الأزمة.

الرئيس السوري تلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس المصري، وحسب بعض التقارير، يعتزم الرئيس الأسد زيارة القاهرة في أي وقت. كما وصل إلى دمشق رئيس مجلس الأمن الوطني الأردني حاملاً رسالة من الملك عبدالله الثاني إلى الأسد.

وفي الوقت ذاته كان مستشار الرئيس السوداني يحط في العاصمة السورية ومعه أيضاً رسالة من الرئيس البشير إلى نظيره في دمشق. ويبدو أنها حوت مبادرة من بنود عدة تتراوح بين »الحث على التعاون مع لجنة التحقيق« وبين اقتراح إجراء »مصالحة سورية داخلية«؛ مروراً بعقد »مصالحة لبنانية ـــ سورية«.

وهي الأولى من نوعها بحيث أخذت صيغة مشروع متكامل لتجاوز الأزمة من مختلف جوانبها المحقونة.والأهم من ذلك أنها »أخذت الصبغة العربية«، حظيت بدعم وتأييد بلدان عربية عدة، كالجزائر ومصر والسعودية. والمعروف أن الرياض كانت هي الأخرى قد قامت بدور، قبل أيام، جمع بين دمشق وباريس.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن التعريب قد دخل بقوة على هذا الملف. وربما يأخذ هذا الدخول بعض الزخم الإضافي من النجاح ــ ولو البسيط ـــ الذي حققه التعريب في الملف العراقي والذي تمثل بالتوافق ولو العريض والمبدئي الذي حصل في المؤتمر التحضيري للمصالحة العراقية في القاهرة.

هل يتجاوب المعنيون في دمشق وبيروت، كما تجاوبت الأطراف العراقية، لتسهيل الطريق أمام تحركات التعريب وفسح المجال أمامها لتفكيك عناصر الأزمة؟

الأمل ألا تُفوَّت هذه الفرصة.