إن اقدام دولة عظمى مثل بريطانيا تمثل رمزا فى تاريخ الحضارة الانسانية على مصادرة حرية الصحافة واتباع سياسة «تكميم الافواه» حيال الصحف لمجرد نشر معلومات تكشف نوايا الادارة الامريكية العدائية تجاه قناة الجزيرة الفضائية فذلك امر مؤسف وتطور يصيب قيم الحرية والديمقراطية التى ينادي بها الغرب فى مقتل. ومثل بريطانيا التى انبرى كبير مستشاريها القضائيين الى تهديد الصحف بهدف مصادرة الحقيقة واغتيال ضمير الامانة الصحفية، كان حري بها ان تصدر ردود فعل مغايرة وهي تفكر فى قصف مقار «الجزيرة» لا لشيء سوى انها انحازت الى طهر التناول وموضوعية الطرح واتجهت بضمير مهني خالص الى ممارسة دورها فى نقل الحقائق وبث الوقائع بلا تلوين او مداهنة سواء كان ذلك فى العراق أو أفغانستان أو فى أية بقعة اخرى من بلاد العالم. ولعل الموقف البريطاني يؤكد بلا شك ان نوايا الامريكيين لضرب «الجزيرة» ليست مزاحا ولكن حقيقة.
ولعل التهديد بالملاحقة القضائية الذى بدر من الحكومة البريطانية حسبما ذكرت الصحف «ديلي ميرور» و«ذي تايمز» و«غارديان» يؤكد زيف دعاوى الغرب الذى لم تكن الديمقراطية فى نظره سوى مطية لبلوغ غايات استعمارية و«شماعة» لتعليق حماقات الساسة وميولهم العدوانية ونزواتهم الذاتية، اذ ان كثيرا من التطورات تكشف يوما بعد يوم ضعف دلائل انحياز الغرب والدول العظمى «بريطانيا وامريكا» لمبادئ الحرية والديمقراطية التى باسمها احتل العراق وسقطت كابول وتُهدد سوريا ويُروع كثير من الانظمة العربية. ان العالم مدعو للتأمل فى الموقف البريطاني الذى يتناقض مع المبادئ التى من المفترض ان تسوده الحياة الانسانية حتى ينعم العالم بالامن والسلم المطلوبين. فما جاء به كبير المستشارين القضائيين البريطانيين من تهديدات هدفت الى تكميم افواه الصحف يؤكد السعي الى اسكات صوت الجزيرة وهي تصدح بالحق والصدق وينتخبها العالم منارة رسالية عصية على التدجين والاسكات فى زمن يظن الغرب ان منطق العنف يعلو فوق كل القيم الانسانية.
إن بريطانيا مطالبة بالاعتذار لـ«قناة الجزيرة» على موقفها الذى يعد انتهاكا صارخا لحريات يقتضي ضمير الاعلام الحي ألا تكون عرضة للترويض، وليس ثمة امر آخر سوى ان التصرف البريطاني جاء محبطا ومخيبا للآمال، خاصة من دولة تنصب نفسها قائما على حراسة الحرية والديمقراطية فى العالم.