نجحت الحركة الصهيونية العالمية في تحطيم أسوار العزلة الدولية، وظلت تكسب ارضا جديدة على مدار الساعة، وتجهض بتحركها المؤسسي الدؤوب كل فعل عربي او متعاطف مع القضية العربية.
وتحيل أي انتصار للعرب الى انتكاسة وهزيمة مشينة، بفضل غفلتنا وخيبتنا الكبرى، وإدمان الكثيرين منا لعبة خداع الذات، وتوهم النجاة وتحقيق الأحلام الصغيرة عبر المرور من بوابة استرضاء مراكز اللوبي الصهيوني، المهيمن في غير عاصمة غربية.
ابلغ مثال على نجاح الحركة الصهيونية، في الانتقال بالتطبيع مع اسرائيل من دائرة العلاقات الضيقة مع بعض الدول العربية الى مرحلة العولمة، وفرض الأسس والمرتكزات الأيديولوجية الصهيونية.
وجعلها أفكارا تهيمن على فضاء عالمنا، ما حدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا، من اعتراف بكل المبالغات وتضخيم »محرقة اليهود« في ألمانيا التي تعرف بــ»الهولوكست« وتخصيص ميزانية اممية للاحتفال بها سنويا،.
وتخليد وتعويض الضحايا، دون الالتفات للضحايا العرب الفلسطينيين الذين حصدت اسرائيل أرواحهم في أبشع مذابح شهدها العصر، منذ اغتصاب فلسطين عام 1948، بتواطؤ دولي وتعويض للصهاينة عن جرائم النازية، على حساب العرب، ومازالت هذه المذابح تنفذ حتى الان.
على ان ادهى ما ابتدعته آلية عولمة التطبيع مع الصهيونية، ما جرى الاسبوع الماضي، خلال حلقة دراسية نظمتها اسرائيل لقادة اسلحة الجو من دول حلف شمال الاطلسي، وعدد من كبار الضباط من خمس دول عربية، معظمها لا تربطها بإسرائيل علاقات ديلوماسية.
محور الحلقة الدراسية،حسب ما كشفته صحيفة »جيروزاليم بوست« الإسرائيلية كان التعرف على دروس الاغتيالات لقادة انتفاضة الأقصى في غارات جوية، ودور سلاح الجو الاسرائيلي في القضاء على المقاومة الفلسطينية.
والذي يحلو للصهاينة ومن لف لفهم تجميله بعبارة »محاربة الإرهاب الفلسطيني« رغم بشاعة اغتيال قادة سياسيين مثل الشيخ المجاهد القعيد احمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
وقبلهم يحيى عياش، والى جوارهم كثيرون من الاطفال والنساء اغتيلوا في غارات جوية أسقطت على منازلهم قنابل زنة نصف طن، أو بصواريخ موجهة، مثلما حدث في مجزرة بحي الزيتون في غزة واغتيال صلاح شحادة ومعه 15 آخرون.
قد يكون لدى قادة اسلحة الجو في دول حلف شمال الاطلسي ما يبرر انخراطهم في الحلقة الدراسية الاسرائيلية للاستفادة من تجربة اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية من الجو، لكن اي فائدة ترجى للضباط والجيوش العربية من هذه الدروس المهينة لاي عربي، هل بلغ الهوان بنا هذا الدرك ؟
ام ان العرب هؤلاء فقدوا القدرة على التمييز بين ما ينفع أو يضر؟ ام انتقلت بعض دولنا بأدوارها من حماية شعبها الى التآمر مع الاخرين عليه؟
شخصيا لا اتصور ان هناك جنديا او ضابطا عربيا يملك هذا القدر من البلادة الذي يؤهله لحضور مثل هذه الدروس الإسرائيلية، ويغالط قناعاته ويقبل بجرائم اسرائيل واعتبار اغتيال القادة الفلسطينيين عملا مبررا في »الحرب على الإرهاب« وإلا فان الدور ينتظرنا جميعا باعتبارنا »ارهابين«.
عولمة التطبيع الاسرائيلي لم تقف عند حد التطبيع العسكري مع العرب من باب اغتيال الفلسطينيين، بل تخطته الى ساحة البحث العلمي والتاريخي، ودشنت مرحلة جديدة من محاكم التفتيش على العقول والافكار بطريقة لم تصل اليها محاكم التفتيش في أوروبا ابان ظلام العصور الوسطى.
تمثل هذا في اعتقال المفكر والمؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينج في النمسا الأسبوع الماضي، بتهمة الدفاع عن النازية، واختزال مخل بحقيقة الانتقام منه لكشفه خدعة وأسطورة »الهولوكست« واستخدامها »فزاعة« لابتزاز الضمير الأوروبي، وكمبرر للتغطية على جريمة اغتصاب فلسطين.
في اجواء كهذه، يصبح التاريخ ساحة للتزييف وصياغة الأساطير، وتضيع كرامة البحث العلمي ويفقد المؤرخ استقلاله وحريته، ويفرض عليه الاشادة بالارهابي الاسرائيلي قاتل الاطفال الفلسطينيين على الحواجز العسكرية.
ويطلب منه التنديد بالضحية الفلسطيني والتعامل معه بوصفه »إرهابيا« ويتحول الاغتيال الاسرائيلي له الى درس مستفاد يدرس في حلقات عسكرية لنا نحن العرب.