مما لاشك فيه أن الملفين الايراني والسوري يعتبران من المشاكل الحادة في المرحلة الراهنة، ولعل هذا هو السبب في أن مجلس الأمن سينعقد مرة أخرى لبحث هذين الملفين، وفي كل مرة تستعد المنظمة الدولية لمناقشة برنامج إيران النووي أو بنود الأزمة السورية تتجه الأنظار إلى موسكو.

وتدور تساؤلات حول ماهية الموقف الروسي، وهل ستؤيد روسيا القرار المقترح في الأمم المتحدة أم سترفضه؟ أم أنها ستستخدم ضده حق النقض(الفيتو) الذي يحق فقط لخمس دول من أعضاء مجلس الأمن استخدامه؟

وقد دارت هذا المناقشات في نهاية أكتوبر الماضي عندما عقد مجلس الأمن جلسة لبحث نتائج التحقيق الخاص باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، وأسفرت هذه الجلسة عن صدور القرار 1636.

وتثير هذه التخمينات التي يدور الحديث حولها الدهشة، إذن لماذا يعتقد البعض أن موسكو يمكن أن تستخدم حق النقض بهذه البساطة، وما يثير الدهشة لماذا يتوقعون في كل مرة ان روسيا ستلجأ لاستخدام حق الفيتو، بالرغم من أنها نادرا ما تلجأ لاستخدام حق النقض.

وبناء على هذا يعتبرون ان لدى روسيا سيفا في غمده، وهنا لابد أن اذكر أن وزير الخارجية سيرجى لافروف وممثل روسيا في الأمم المتحدة أندريه دينيسوف(وهو زميل لافروف في الدراسة) يدركان أن الوقت لم يعد كما كان في الماضي، عندما كانت موسكو تسمح لنفسها بقيادة جولات الصراع السياسي من خلال استخدام حق الفيتو.

ومنذ تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945 وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي،لجأت موسكو لاستخدام حق الفيتو 118 مرة على مدار 46 عاماً . وغالبا ما كان يحدث ذلك حول القرارات المتعلقة بالشرق الأوسط.

إذ كانت تصدر تعليمات قاسية من الكرملين ترفض المهادنة، واحتل الأميركيون المرتبة الثانية في استخدام حق النقض، ثم الانجليز في المرتبة الثالثة، والفرنسيون شغلوا المرتبة الرابعة، اما الصين فلم تستخدم حق النقض سوى 5 مرات.

والأن لابد من التساؤل حول عدد الدسائس التي جرت عندما استعد الأميركيون لضرب العراق وعندما بات واضحا أنه لا يمكن البحث عن أي مخرج لا أدري لماذا كانت القيادة العراقية السابقة على قناعة بأن نفوذ موسكو في مجلس الأمن سيحدث تغييرات ؟ بل أن هذه القيادة كانت تراهن على الغاء أو تخفيف العقوبات المفروضة ضد العراق بمساعدة النفوذ الروسي في مجلس الأمن.

وكان الهدف من زيارة طه ياسين رمضان إلى موسكو في عام 2001 هو إقناع الكرملين باستغلال النفوذ المذكور لتحقيق هذا الهدف، وقد اعتبر المسؤول العراقي آنذاك أن حق النقص يسوى في القوة والنفوذ بين روسيا والولايات المتحدة، إلا أن تطور الأحداث كشف أن هذا التصور غير صحيح .

وقد تمنح عضوية روسيا الدائمة في مجلس الأمن نفوذا دوليا ما، إلا أن الوضع – كما يقول المثل على قد فراشك مد رجليك – واذا كان فراشك قصيرا أو قديما، لابد أن تكون حريصا.

ومنذ عام 1991 استخدمت موسكو حق الفيتو 3 مرات فقط على مدار 14 عاماً، وكان ذلك في قضايا ذات طابع فني وليس لها أهمية سياسية، مرتان في قرارات حول الأزمة القبرصية في أعوام 1993 و2004، ومرة في قرار يتعلق بدعم صرب البوسنة في عام 1994.

وبدا استخدام موسكو لحق الفيتو في عام 1993 هزل بعض الشيء، إذ لم يكن لدى الدبلوماسية الروسية اساس منطقي لرفض القرار المطروح للتصويت، والذي كان يحدد سبل تمويل عملية الأمم المتحدة في قبرص، إلا أن السبب كان وجود وزير ضعيف على رأس وزارة الخارجية الروسية، هو أندريه كوزريف.

اضافة لحالة الفوضى التى كانت سائدة في البلاد، هذا الوضع جعل البعض يعتقد أنه لابد من التذكير بقدرة روسيا على استخدام حق النقض، حتى يحسبوا حسابا لروسيا في هذه المنظمة الدولية. في نفس الوقت دون الدخول في صدام مع أعضاء المنظمة .

وخاصة الأميركيين، باعتبار أن القرار ليس له أي أهمية سياسية. ويعلق يوري فارانتسوف ممثل روسيا في مجلس الأمن آنذاك بقوله (شعرت بالغباء عندما رفعت يدي مستخدما حق الفيتو، ولكن لم يكن أمامي سبيل سوى تنفيذ تعليمات موسكو).

لذا يمكن القول ان السياسة الروسية اليوم اصبحت أكثر اتزانا وليست مجرد رد فعل، وتميز وزير الخارجية الحالي سيرجي لافروف بأنه عمل ممثلا لروسيا في الأمم المتحدة لمدة 10 سنوات، وعلى اطلاع واف بكافة قرارات المنظمة الدولية.

ولابد من الاعتراف بأن تمتع روسيا بحق الفيتو لا يعني بالضرورة تساوي كفة واشنطن وموسكو من حيث القوة والنفوذ في الساحة الدولية . لذا مازالت موسكو تحتفظ بسيفها في غمده، خاصة أن الحديث لا يدور اليوم عن التعارض الذي كان قائما بين واشنطن وموسكو في سنوات الحرب الباردة.

أما البحث عن اجابات للتساؤلات التي تناقش الأولويات، وتبحث عن الطرف الأكثر أهمية بالنسبة لروسيا .. العراق أم الولايات المتحدة؟ ايران ام الولايات المتحدة؟ سوريا أم الولايات المتحدة؟ ليس بحثا صحيحا.

فمازال الكرملين يناور بنجاح، ويبذل جهوداً مكثفة لمنع الأميركيين من القيام بمغامرة في الشرق الأوسط يمكن أن تؤدي لحدوث مآساة جديدة . إلا انه بالتأكيد عندما يفرض تطور الأحداث الاختيار ستعطي روسيا الأولوية للدولة العظمى الوحيدة في العالم.

مديرة القسم الدولي في جريدة (فريميا نوفوستي)