أميركا هنا لتبقى وستقوم بإعادة ترتيب الخارطة السياسية لتضمن مساحة من الأمن والاستقرار لحماية مصالحها في المنطقة, إن التعامل مع ظاهرة الاستناد يتطلب نموذجاً جديداً يخرج عن مثيلاته السابقات, فلا القومية.

ولا الوطنية تستطيع أن تتعامل بكفاءة مع هذه الظاهرة, فإلى أن يخرج هذا النموذج فلنحتذي بالنموذج الألماني والذي بعد عدة عقود من النماء والقوة الاقتصادية وقف أمام الولايات المتحدة متحدياً وقائلاً:

لا للحرب على العراق, أما الترتيب الجيد فيتطلب آلية جديدة للحوار والتعاون العربي, وكلنا مدعوون لبناء نظرة وتصور جديدين يعتمدان على عوامل لم تعهدها ولم نعتد عليها سابقا.

تنفذ الولايات المتحدة في الوقت الحالي سياسة وضع اليد على المنطقة, والسؤال يطرح نفسه على الكثير ممن يعرفون بأن المنطقة برمتها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة تخضع لسلطة أو بالأحرى التسلط الأميركي, ويأتي السؤال هنا:

ما هو السبب لهذه السياسة ؟ للوصول إلى بعض التفسيرات المحتملة فعلينا أن ننظر بإيجاز للدوافع والأسباب والتعامل معها كظاهرة ستفرض نفسها على الواقع العربي على مدى العقود المقبلة.

إن الدافع لهذه السياسة يكمن في طبيعة العسكرة الأميركية والتي هي جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع الأميركي, فهي تنتشل الكثير من الفقراء الأميركان من الفقر بوعود وضمانات مغرية كإعطائهم فرصة تكملة المرحلة الجامعية مجاناً والضمان الصحي للشخص وعائلته مستقبلا مدى الحياة.

ومن جهة أخرى فهي المغذي للاقتصاد الأميركي بميزانية تفوق 400 مليار دولار ( اكبر من ميزانيات دفاع دول العالم مجتمعة) بقواعد حول العالم أكثر من 700 قاعدة تمتد من بريطانيا العظمى إلى الإمبراطورية اليابانية.

وما في منطقتنا من قواعد أميركية إلا حفنة منها, وكذلك تغذي هذه الميزانية الأبحاث الأميركية المختلفة و ...... فلذلك فإن من المهم أن يستمر رحى العسكرة بالطحن والدوران وكلما كبر الرحى زاد عدد المستفيدين من هذا القطاع الاقتصادي الاجتماعي السياسي العسكري الدولي, حتى أن أحداً قد صرح مازحاً: ما هو طبق الحرب لهذا الشهر!

أما الأسباب فهي ببساطة استراتيجية الطابع تدور حول المحافظة على الحركة الانسيابية للنفط أو كما يقال من يمتلك النفط يمتلك العالم وهو عماد الاقتصاد الأميركي. لقد غُرزت إسرائيل وبعض الأنظمة العربية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي لتحقيق الأمن والاستقرار لهذه الاستراتيجية.

لقد تغير المناخ السياسي الدولي وأصبح الترتيب القديم بالياً وفي صراعات عقيمة فيما بينها(إسرائيل مع العرب والعرب مع أنفسهم) مشكلاً خطراً للأمن والاستقرار في المنطقة, فما كان للولايات المتحدة إلا أن تأخذ هذه الخطوة الجريئة والتي كانت خططها تنتظر التنفيذ.

هناك خط افتراضي يشكل لب الاستراتيجية الأميركية يمتد شمالاً من حقول نفط كركوك إلى جنوب الخليج العربي، وبغزو العراق أطبقت أميركا على هذا الخط الاستراتيجي. إن سياسة وضع اليد لن تنتهي إلى أن تصبح منابع النفط في الأحواز في قبضة يدها, وما كل هذا النباح حول البرنامج النووي إلا بابٌ ( فليترقب المترقبون لحرب جديدة بشكل جديد مهذبة بدروس مستقاة من حرب العراق).

خرج العرب عبر القرون من مآزق عضال, ففي العصر الحديث وبالأخص القرن التاسع عشر أتت القومية العربية لتقاوم التتريك الذي كانت الدولة العثمانية تفرضه عليهم, وفي القرن العشرين أتت الوطنية »العربية« لمحاربة الاستعمار, أما ونحن في القرن الواحد والعشرين فإننا في ظل العولمة.

أو بالأحرى الاستبداد الدولي والذي تترأسه الولايات المتحدة في العالم أجمع وبالأخص هذه المنطقة, وهنا يأتي النقاش والجدل البناء حول كيفية التعامل مع هذا الاستبداد الأجنبي الذي يشكل الموجة الثالثة للتدخل الأجنبي على المصير العربي.

فالترتيب الجديد يقر بأن الهيكل أو الهياكل المختلفة التي أنشئت سابقاً لم تكن صالحة فلذلك ستشهد المنطقة تغيراً في بعض أنظمتها (كما حدث في العراق) ومؤسساتها الإقليمية. إن عملية الخلع والاستبدال للأنظمة لها دارسوها ومقاهيها وكل ما نتمناه أن لا نمر بالمآسي التي مر بها إخواننا العراقيون مرة أخرى.

أتى الترتيب الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا اقتصادياً (وليس سياسياً) واعتمد البرامج الاقتصادية المختلفة التي اعتمدت على حرية التنقل للعمالة ورأس المال, ثم شهد عبر بضعة عقود من الزمن تحولاً هيكلياً في ارتباطاته المشتركة, فهو الآن يعرف بالاتحاد الأوروبي EU وهو توجه سياسي داخلي »الدولة الأوروبية« وخارجي »الدولة الأوروبية العظمى«.

والجدير بالذكر فإن المركز الإداري لهذا الاتحاد ليس برلين أو باريس أو لندن (أكبر دول المجموعة وأقواها ) بل بلجيكا (بلد صغير), وربما هذا أحد أسباب نجاح الأوروبيين .

وفشل الأمم المتحدة (مركزها نيويورك ــ أميركا- أقوى دول العالم) والجامعة العربية (مركزها القاهرة – مصر – اكبر دولة عربية)، يبقى على الترتيب الجديد طرح كيفية إطفاء بؤر الانفجارات الاجتماعية والإرهاب في منطقتنا.

لقد خلفت الحروب الكونية وراءها زلازل سياسية, فالحرب العالمية الأولى والثانية والباردة أدت إلى تغير في كثير من الأنظمة الأوروبية, أما العربية فلم تشهد انعكاسات كبيرة ( ما عدا العراق) منذ انتهاء الحرب الباردة.

هذا فإذا ما تم أخذ الطرح السابق في الاعتبار فلن توجد حاجة لمؤسسة سياسية عربية »الجامعة العربية« ولا صراع الهيمنة السياسي على المؤسسات الإقليمية »مجلس التعاون الخليجي« أو »الاتحاد المغاربي العربي« , بل لمؤسسة »التعاون العربي« في دولة عربية ليست ذات ثقل سياسي وربما في مدينة ليست بالضرورة أن تكون عاصمة تلك الدولة(لمنع التأثير السياسي المباشر للعاصمة عليها).

سوف يكون في صلب هذه المؤسسة إخراج العرب من الجهل والمرض والفقر وسيأتي هذا عن طريق التحويلات المالية من الدول العربية الغنية (النفطية) إلى الفقيرة عن طريق هذه المؤسسة تماماً كما هو في النموذج الأوروبي.

وأخيراً إذا أعاد التاريخ نفسه على النموذج الأوروبي فإننا سنشهد »المجموعة العربية الاقتصادية« وفي غضون عقود قليلة »الدولة العربية العظمى«.

كاتب إماراتي