كأنها صارت قاعدة مألوفة، أن تبقى حالة الغليان ـــ الذي يعقبه اشتعال ـــ متجولة في المنطقة. فما ان تخمد الأمور، نسبياً في واحدة من البؤر الملتهبة؛ حتى تنفجر، أو تقف على حافة الانفجار في بؤرة أخرى.

مهيأة أو مرشحة للحريق. أمس دخل شيء من الهدوء السياسي ــ على تواضعه ـــ إلى الساحة العراقية، في أعقاب مؤتمر القاهرة. لكن على الفور التهبت في جنوب لبنان.

وفي الوقت ذاته بدأ الشرر يتطاير من خطوط التوتر بين واشنطن ودمشق. فأخذت التهديدات الإسرائيلية والتحذيرات الأميركية تنهال على سوريا ولبنان؛ بحيث عادت أجواء المجابهة وأخطارها تخيم على الوضع.

وزير الحرب الإسرائيلي، شاؤول موفاز هدد بتوجيه ضربات عسكرية وذلك في أعقاب أعنف اشتباكات بين »حزب الله« وقوات الاحتلال الإسرائيلي، لمزارع شبعا، اللبنانية.

والتي سقط فيها جندي إسرائيلي وثلاثة من رجال المقاومة. وكانت الاعتداءات الإسرائيلية قد تواصلت طوال الليل، على المناطق اللبنانية المحاذية، بالقصف الجوي والمدفعي الذي أدى إلى تدمير جسر كبير يشكل أحد شرايين المواصلات في المنطقة. كما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن قرى عدة.

وفيما تواصلت الانتهاكات الإسرائيلية لأجواء لبنان، اخترقت الزوارق الحربية الإسرائيلية حرمة المياه الإقليمية اللبنانية أكثر من مرة كل ذلك سبقه حشد لقوات إسرائيلية على طول الحدود؛ بالترافق مع حملة إعلامية تمهد الأجواء لعمل عسكري ضد لبنان.

أما على الجبهة السورية فقد احتدم التراشق مع دمشق بخصوص موضوع التحقيق مع عدد من المسؤولين السوريين، في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. واشنطن تتهم سوريا بتعمد عدم التعاون مع المحقق ميليس. السفير الأميركي في الأمم المتحدة، جون بولتون، يدعو دمشق وبلهجة تهدد بالإنذار المبطن، إلى الإسراع بالتعاون وإلا...

وذلك عندما قال إن: »موعد 15 ديسمبر يقترب كل يوم؛ والسوريون يعلمون ذلك؛ ونريد منهم أن يقدموا الشهود إلى ميليس وعدم البحث عن أشخاص آخرين في إطار مواصلة إعاقة التحقيق«.وهكذا تتجمع وتتراكم بسرعة غيوم الإعصار، فوق الساحتين اللبنانية والسورية. إسرائيل من جهة وواشنطن من جهة أخرى.

والأنكى أن هذه الضغوط مع كل ما تنطوي عليه من مخاطر، تأتي في وقت يزداد فيه الضمور وفقدان المناعة؛ سواء على مستوى العلاقات السورية ـــ اللبنانية شديدة العطب؛ أو على مستوى الساحة اللبنانية الداخلية حيث يتأزم الانقسام الذي تجلى بأوضح صورة يوم الاحتفال بعيد الاستقلال أول من أمس.

والمؤسف أن كل هذه التوترات تصب في آخر المطاف، بشكل أو بآخر، في خدمة إسرائيل. ولا يبدو أن هناك مخرجاً لمغادرة هذه الدوامة إلا بإزالة الأسباب الراهنة المباشرة:

طي ملف التحقيق باغتيال رفيق الحريري بعد حل عقدة التعاون؛ وتحصين الوضع الداخلي اللبناني بالمواجهة المباشرة لإشكالاته. في غياب ذلك تبقى الأبواب مشرعة لكل التحذيرات والتهديدات.