المذكرة السرية البريطانية التي كشفتها صحيفة «ديلي ميرور» بشأن تفكير الرئيس الامريكي جورج بوش في قصف مقر قناة الجزيرة ومكاتبها في الخارج تكشف فصلا جديدا، وأبعاداً خطيرة، في مسلسل الديمقراطية الامريكية التي نعيش فصولها المتلاحقة من افغانستان إلى العراق بإخراج محكم بريموت كونترول البيت الابيض، والمذكرة - إن صحت - لا تكشف حجم ضيق صدر ادارة بوش من حرية الكلمة، بقدر ما تكشف خطورة النهج الجديد للسياسة الاميركية التي تبدو في حالة ثورة على المبادئ السامية التي صاغها ويلسون في مبادئه الاربعة عشر وترجمها الدستور الامريكي في بنوده الاتحادية وقاتل من أجلها الأحرار والشرفاء في مختلف أنحاء العالم من أوروبا إلى آسيا مروراً بإفريقيا.

المذكرة الجديدة لاتشكل خطراً على قناة الجزيرة بقدر ما هي وسام شرف. وقبل أن تكون ادانة فهي اعتراف لها بالقوة والتأثير في مواجهة الاستعراض والتباهي بالمدفع والصاروخ بالكلمة الحرة،والرأي الموضوعي القادر على التأثير في الرأي العام وتشكيله في زمن اختلطت فيه الحقائق بالأكاذيب وراجت فيه الاشاعات أكثر من الاثباتات، ولعل أكذوبة اسلحة الدمار الشامل في العراق تأتي في صدارة تلك الاشاعات والاكاذيب. أكذوبة احتلت بسببها دولة ودمر شعب في قرن تناضل فيه الشعوب من أجل السلام والحرية والديمقراطية. نضال سلاحه الوحيد الكلمة الصادقة الحرة المسؤولة.

وهنا نسأل ما هي الفوارق والحدود التي تقف حائلا بين مفهوم الحرية التي تستند إليه الجزيرة في عملها، ومبادئ الديمقراطية التي تسعى الى ترسيخها عبر «الرأي والرأي الآخر» من جهة، ومفهوم الحرية والديمقراطية التي تسعى ادارة بوش الى ترسيخها في العراق وأفغانستان. لعل هذا أكثر ما يثير الشكوك في معنى الديمقراطية الجديدة بالمقاس الامريكي.

كلنا نتذكر كيف سطع نجم «سي إن إن» التي كانت على شفا الافلاس مع غزو العراق للكويت، وكيف غدت صورة بيتر ارنت وفندق الرشيد مصدر معلوماتنا الاول حول ما يدور على ساحة الحرب التي حولتها الولايات المتحدة ولأول مرة إلى حرب معلومات على الشاشة وعبر الاثير بدل الصورة التقليدية للمواجهة في الميدان. فهل كانت «سي ان ان» يومها هدفا عسكريا مشروعا. وكلنا نتذكر كيف كانت قناة «فوكس» تحشد لان تكون الحرب الاخيرة على العراق حربها، فهل تعتبر فوكس هدفا عسكريا مشروعا «لتحقيق رؤية بوش لاقامة قنوات اعلامية مستقلة تعيش جنبا الى جنباً».

منذ القرن العشرين ونحن نسير في خنادق تضيق يوما بعد يوم على حرية الكلمة. خنادق يتم تفصيلها حسب رغبة الكبار لتكون في خدمة السياسة، رأينا قوانين تجرم الكلمة مثلما حدث مع من تحدوثوا بلسان لايرضي اسرائيل ودفع مفكرون وإعلاميون ثمن ذلك مثل جارودي وآلن مينارغ وغيرهم.

هنا، هل نحن مقبلون على حرب من نوع جديد، حرب على الكلمة الحرة، علما بأنها حرب لم تسلم منها الصحافة الامريكية نفسها حيث فقد بيتر ارنت وظيفته مع قناة «ان بي سي» عندما تحدث عن فشل ادارة بوش في حربها على العراق، كما تم اعتبار جيرالدو ريفييرا أحد كبار محطة فوكس شخصا غير مرغوب فيه في العراق بنفس تهمة ارنت، وتم منع الصحفي البريطاني روبرت فيسك من تأشيرة دخول لأمريكا. أما في العراق فقد سقط أكثر من 70 صحفيا برصاص «غير صديق» علاوة على صنوف الاهانة والاستجواب والتعذيب. وقد رأينا كيف انتهكت حقوق الصحفي في الابقاء على سرية مصادره مثلما حدث مع محررة نيويورك تايمزجوديث ميللر. والامثلة من هذا النوع كثيرة.

ربما تكون الحرب على حرية الاعلام آخر فصل من فصول الحرب على الارهاب، فهل يكرر التاريخ الستاليني نفسه؟