مغادرة شارون لحزب الليكود حدث في الحياة السياسية الإسرائيلية، بل هي نقطة تحوّل فيها. ولابد أن تترك بصماتها على مجرى الصراع الدائر، على الأقل في المدى القريب، وربما الأبعد.
وقد كان لها وقع المفاجأة، مع أنها كانت متوقعة، ذلك أن الرجل التصق اسمه بهذا الحزب المتشدد، المقفل رأسه، إلا على التوسع والحروب. فهو حزب كان شارون من رعيل المؤسسين له، واحتضن خطه منذ أن دخل ميدان السياسة مع مجيء أول حكومة ليكودية برئاسة مناحم بيغن، في أواخر السبعينات.
وقبل أسابيع قليلة خاض معركة كسر عظم مع خصمه نتانياهو، على رئاسة الحزب وفاز بها، ثم شغل منصب رئاسة الحكومة باسم الليكود، وخاض حملاته الاتنتخابية التي حملته إلى مواقع السلطة، تحت راية هذا الأخير وخطّه وشعاراته.
واليوم يترك كل هذا الارث ويقرر الانتقال إلى موقع آخر، عبر تأسيس حزب جديد يتولى هو رئاسته، طبعاً لم يتخذ هذه الخطوة الانفصالية تعففاً، ولا بتأثير صحوة اعتدال هبطت عليه وجعلته يبدّل جلده، فهو فعل ذلك خدمة لأجندة خاصة، يعتقد أن استمراره في الليكود يحول دون وضعها موضع التنفيذ.
وهي أجندة يرى أنها الوحيدة القادرة على ضمان أمن ومصالح إسرائيل، وإنه لابد من اغتنام الفرصة التي توفرها اللحظة الراهنة، لترجمتها وتطبيقها على الأرض.
وهو كان واضحاً في هذا الخصوص، عندما قال إن انقلابه يرمى إلى وضع الأسس اللازمة لترسيم حدود إسرائيل، والذي لا يتحقق إلا إذا ترك الليكود، ومن هذا المدخل قدّم نفسه على أنه صار معتدلاً لا يقوى على التعايش مع حزبه القديم الذي نعته غير مرة بالتخشّب.
وكي يسبغ هذه الصورة عليه قبل افتتاح حملة الانتخابات، تحدث شارون عن رغبة في العودة إلى »خارطة الطريق«، مع ما يترتب على ذلك من تقديم تنازلات استيطانية في الضفة!
قد تبدو هذه الانعطافة من خلال تقديمها على لسان صاحبها والخلفية التي حكمت مسيرة شارون، على أنها نقلة نوعية، وهي كذلك، لكن في الأسلوب، وليس الجوهر.
رجل الليكود القديم وزعيم »حزب المسؤولية الوطنية« الجديد، اعتمد مؤخراً استراتيجية الفصل الأحادي والانكفاء، وقد بدأها في غزة. وهي تقوم على ركيزتين:
1ــ ان السلام مع العرب وبالتحديد مع الفلسطينيين، غير وارد في المدى المنظور، لا العرب اقتربوا من قبول إسرائيل ولا هي راغبة في تقديم تنازلات جوهرية.
2ــ إنه في هذه الحالة لابد من لملمة الأجزاء وتكثيفها في إطار جغرافي واحد يحقق »المناعة« بقدر ما يحمي »الصفاء« و»النقاء« ليهودية الدولة العبرية.
وعلى هذا الأساس، فإن الخيار المناسب الوحيد هو العمل على رسم هذا الإطار من جانب واحد وفرضه بقوة التفوق العسكري المدعوم بالثقل الأميركي، في لحظة الهجمة التي تقوم بها واشنطن في المنطقة.
هذا من وجهة نظر شارون، لكن ذلك له جانب آخر، فهو يعكس أزمة التوسع الإسرائيلي ومقبولية إسرائيل في المنطقة، وإلا لما تراجع كيان قائم على التوسع، فهل يعمل الفلسطينيون على الاستفادة من هذه الحقيقة وحشد كل الطاقات المتوفرة لتعميق هذا المأزق التاريخي لإسرائيل؟