بدأت الساحة السياسية أكثر وضوحاً مما كانت عليه قبل أسابيع فقد حزم الحزب الاتحادي الديمقراطي حقائبه ليشترك في حكومة الوحدة الوطنية رغم ما قد يجره ذلك عليه من مزيد من التفكك والصراع الداخلي.
وأوشك التجمع الوطني الديمقراطي أن يوارى الثرى إلى مثواه الأخير بعد قرار الحزب الاتحادي، وخرج الحزب الشيوعي إلى صفوف التحالف المعارض وكذلك حزب البعث العربي الاشتراكي.
وتخندق المؤتمر الوطني مع الحركة الشعبية وبعض الأحزاب الموالية في حكومة الوحدة الوطنية في انتظار ما تسفر عنه مفاوضات أبوجا ثم مفاوضات شرق السودان.
ولا بأس من هذه المعادلة السياسية لثلاث سنين مقبلة لعلها تحفظ قدرا من التوازن داخل الحكومة وبين الحكومة والمعارضة، ومن ثم توفر قدرا من انسجام السلطة الحاكمة تمكنها من اتخاذ القرارات الحازمة .
وفى ذات الوقت تراقب أداءها فلا يشتط ويتعدى على حقوق الآخرين وحرياتهم. وفى الفترة الماضية كان المؤتمر الوطني هو اللاعب الصائل في الساحة السياسية بمفرده.
وعندما أبرمت اتفاقية السلام الشامل ظن المعارضون والمستقلون والمتفرجون أن دخول الحركة الشعبية في السلطة سيغير طبيعة الإنقاذ التي عرفوها ومنهج حكمها رأسا على عقب وفى فترة قصيرة، ولكن خاب ظنهم وأحبطوا لأن التغيير لم يأت بقدر الطموح ولا بالسرعة المطلوبة.
كانوا يظنون أن الإنقاذ ستغير على الأقل بعض أفراد حرسها القديم وتقدم بعض الوجوه الجديدة التي لم تمارس الشمولية القابضة ولكنهم فوجئوا بأن من استقال لأخطاء إدارية ومالية يعود في موقع أرفع وبترقية إضافية بعد أخذ إجازة محارب.
ولكن الحركة جاءت إلى الحكم ببرنامج يركز على توحيد الصف الجنوبي والعمل على إعادة النازحين واللاجئين وبناء السلطة الجديدة في الجنوب وإعمار ما خربته الحرب وتقديم الخدمات الضرورية والتخطيط لمشروعات التنمية الاقتصادية، فهي حديثة عهد بالسلطة السياسية ولا تريد أن تضيع وقتها في خوض معارك القوى السياسية الشمالية.
ولا يخلو ذلك الموقف من منطق وواقعية ولكنه لا يتسق مع دعوى الحركة بأنها تنظيم سياسي لكل أهل السودان، ويعمل لتأسيس سودان جديد يجد فيه كل المهمشين حقوقهم كاملة، ويرعى حقوق الإنسان ويعضد مسيرة التحول الديمقراطي.
أما القوى السياسية المعارضة فقد كانت في فترة بيات شتوي تنتظر من يصنع لها الأحداث ويهيئ لها الفرص، لا تعرف ان كانت ستقف في المعارضة أم تشترك في الحكومة.
إلا أن المؤتمر الشعبي وحزب الأمة القومي حزما أمرهما في وقت مبكر بعد أن اتضح أن المؤتمر الوطني متمسك حتى النخاع بنسبة الـ 52% فى الحكومة الاتحادية التي حبته بها الاتفاقية.
وبنسبة الـ 70% في الحكومات الولائية، وأنه لا يرغب في عقد مؤتمر جامع لكل القوى السياسية وهو سعيد بالمفاوضات الثنائية مع الحركة الشعبية ومع متمردي دارفور ومع متمردي شرق السودان فهم لن يبذوه خبرة ومناورة!
كاتب سوداني