تزيد يوماً بعد يوم الدعوة للإصلاح في مختلف المجالات، ولا شك أن حقوق الانسان تأتي على رأس مطالب الاصلاح، لأن الذات الانسانية واجبة الاحترام ومن الضروري الحفاظ على كرامتها وحقها في الحرية والتقدم، ولأنها أيضاً هي المصدر الأساسي للقوة في كل بلاد العالم.
ولو راجعنا سجلات دول العالم جميعاً لوجدنا أن أكثرها تقدماً، وأكثرها غنى، وأكثرها علماً، وأكثرها قوة، هي تلك الدول التي تعلي من شأن حقوق الانسان، وتتوسع في الحريات العامة، وتحقق المشاركة في اتخاذ القرار السياسي.
ولا توجد هناك صدفة ان بلادنا العربية ليست واقعة ضمن هذا الاطار من الدول حتى عندما يتوفر المال، فهو لا يصير قوة، ولا يصير غنى، إلا في يد الانسان الذي يمتلك مصيره، والقادر على المشاركة والتعبير عنها من خلال أساليب وأدوات سياسية متعددة منها حرية الصحافة وحرية اصدار الصحف إلى آخر ما هو معروف من أساليب ديمقراطية في مجال الإعلام.
وربما كانت الحرية هي لب الموضوع كله في الحوارات الذائعة عن الاصلاح في العالم العربي اليوم، فلا ينبغي أن تكون حرية الصحافة أو حقوق الانسان العربية قضية هامشية أو في مرتبة متأخرة في أجندة الاصلاح.
وهناك أربعة مجلدات رئيسية من الضروري احداث تغيير، فيها، هي تلك التي حددها تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية عام 2005 وهي الحرية السياسية، الحرية الاقتصادية، المعرفة، وتمكين المرأة.
ولا شك أن حرية التعبير تأتي على رأس مطالب حقوق الانسان، وهي ضرورية في كل جوانب الاصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي. وتنبثق حرية الصحافة كمجال خاص عن حرية التعبير كمبدأ عام.
وهذه الحرية التي نطالب بها ليست فقط حرية الصحافة المكتوبة، بل حرية كل أنواع الصحافة الأخرى، صحيح أن الصحافة المكتوبة أم الصحافة كلها، ولكن الحال الآن هو أن الصحافة الاذاعية والتلفزيونية، وصحافة الانترنت، قد باتت جزءاً من الصحافة.
والمطالبة بحرية الصحافة تتخذ أبعاداً أكبر عندما ترتبط ببرنامج أوسع للاصلاح ينظر في المستقبل السياسي للبلاد، والتحول الكامل نحو اقتصاد السوق وغيره من القضايا المثارة خلال السنوات الماضية. هذا هو المطلوب منا حتى تتوقف أمطار المبادرات الأجنبية على الوطن والمواطنين!
وعندما نجد حرية الصحافة معرضة للخطر بسبب استغلال بعض القوانين في رفع الدعاوى على بعض الزملاء الأفاضل من أهل الصحافة، فإن ذلك يضعنا في مأزق لا نعرف كيفية الخلاص منه.
إلا بالمناداة بضرورة تحقيق حرية الصحافة، حتى تكون على نفس درجة حرية الصحافة في الدول المتقدمة في العالم الحر، وحتى نكون بالفعل جزءاً من العالم المتقدم وخاضعين للمقاييس العالمية التي تخضع لها الدول الكبرى.
على انه لابد من التأكيد على أن ما يجري لدينا لا يخصنا فقط وانما يجري ترقيمه وتقسيمه ووضعه وفق مقاييس عالمية تقارن بين الدول، وعندما تصنف مؤسسة »بيت الحرية« الأميركية بعض الدول العربية على أنها ضمن الدول غير الحرة فإن الأمر لا ينتهي ضمن الملفات .
والمواقع الالكترونية لهذه المؤسسة، بل انه يتحول إلى وسيلة اقتصادية وسياسية تحرك شركات ومؤسسات وأعضاء في مجالس النواب والبرلمانات المختلفة الغربية وغير الغربية.
وعندما تقوم مؤسسة »ستاندرد آند بورز« بتخفيض مرتبة بعض الدول العربية لأنها اتخذت قرارات اقتصادية أخيرة تخدم أوضاعاً سياسية وليس التقدم الاقتصادي فإنها تكلف تلك الدول أموالاً طائلة على المستوى الاقتصادي.
ان حرية الصحافة ــ كما يعرف العقلاء ــ عون للحكم الرشيد الذي يؤدي إلى التقدم، ويقيم العدل، ويعطي حرية الاختيار والمشاركة لجميع المواطنين.ولا جدال أن السماح بحرية الصحافة سوف يطلق طاقات هائلة في الصحافة لابد من توجيهها في اتجاه مصلحة الوطن.
فلا ينبغي للحظة أن يعتقد أحد أن الحرية هي رخصة لاطلاق طاقات السب والقذف واغتيال الشخصية والقاء الاتهامات ذات اليمين وذات اليسار والابتزاز للشخصيات العامة دون سند أو دليل.
واذا ما قدر الغاء القوانين المقيدة للحرية الصحافية في البلدان العربية، فإن هذا معناه أن الجهاد بدأ داخل الجماعة الصحافية من أجل توجيه طاقاتها فيما ينفع الوطن والأمة. ولن يحدث ذلك ما لم تتحرر الصحافة العربية من أنواع أخرى من أساليب تقييد الحرية ليس لها علاقة بالقوانين، وإنما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأدوات والأساليب التي تستخدمها.
وربما كان أول أنواع القيود السائدة في الصحافة العربية هو »القيد الفكري« الذي يقيد بعض الصحافيين ويسجنهم في مجموعة من الأفكار السياسية والفكرية والدينية المغلقة القاتمة. فهذا نوع آخر من القيد الذاتي الذي يضعه الصحافي على نفسه دون أن يدري.
ولذا لابد من أن تتحرر الصحافة من عدم الموضوعية ومن الانحياز المسبق لطائفة من الأفكار والتوجهات، فالصحافي مثل القاضي عليه أن يتجرد من انتماءاته وأهوائه وميوله عندما يقيّم أية ظاهرة عامة. حتى يأتي حكمه موضوعياً وقائماً على أدلة موضوعية، وليس على انحياز مسبق لطائفة أو أخرى.
وهناك نوع آخر من القيود التي ينبغي رفعها عن الصحافة وهو القيد المعلوماتي المعرفي، فالصحافة مهنة البحث عن الحقيقة والتي هي في النهاية المعلومات الكافية التي تعطي القارئ الفرصة لكي يقضي أمراً ويصدر حكماً على الموضوع.
ومن هنا لابد من السماح بحرية تداول المعلومات، وحق الحصول عليها، وهذا مرتبط بما سبق ان دعونا إليه مراراً، أي تحقيق الشفافية في المؤسسات الحكومية، والإعلان الدوري عن المعلومات طالما لا تمس الأمن الداخلي للدولة.
ومن جهة أخرى على الصحافة عبء كبير في هذا الصدد، فالعمل الصحافي لا يمكن انجازه بمجموعة من الكلمات الانشائية الرنانة، ولا بالكلمات الحادة البليغة، بل بالكتابة القائمة على معلومات واحصاءات ومسح ميداني. فينبغي أن تقوم صحافة الرأي على العلم والمعرفة لا على الخطب والعواطف والمشاعر والأحلام.
ولكل هذا فإن المطالبة بحرية الصحافة لا تنحصر فقط في مطالبة الجهات الحكومية بتحقيق مزيد من الحريات الصحافية بل أيضاً تشمل كذلك مطالبة أهل الصحافة بالتحرر من القيود التي يفرضونها على أنفسهم أحياناً بوعي .
وأحياناً بدون وعي، أي ان الحرية ينبغي ان تنبع من اسفل مثلما ينبغي ان تنبع من أعلى، أي ان الحرية ينبغي ان تنبع من العاملين في مجال الصحافة مثلما ينبغي ان تنبع من الجهات الحكومية والتشريعية أيضاً في الوقت نفسه.
وأيضا ينبغي على المجتمع العام ان يؤازر الصحافيين الأحرار الذين يعبرون عن رأيهم بحرية، ثم يفاجأون بمن يرفع عليهم قضايا ودعاوى تعرضهم للمعاقبة القانونية، رغم أنهم مارسوا حريتهم، في التعبير ليس فقط عن آرائهم ولكن ايضا عن تيارات الأغلبية التي ترفض الاباحية الغريبة عن العادات والتقاليد الاماراتية.
كما ينبغي على كل مواطن حر ان يضع يده في يد كل صاحب قلم يحارب الفساد، ويقف في وجه المفسدين. وأن يشد على يد كل مفكر ينادي بالاصلاح والتطوير، ويواجه رموز الجمود والتخلف، وأصحاب المصالح الخاصة.
٭ منسق أكاديمي ــ جامعة الإمارات