من منا لا يعرف لورنس العرب؟ وهو عميل المخابرات البريطانية توماس ادورد لورانس المغامر الذي طبقت شهرته الآفاق حين قاد الثورة العربية ضد السلطان العثماني في الربع الأول من القرن ودخل التاريخ بمذكراته التي كتبها حول تلك الثورة بعنوان (أعمدة الحكمة السبعة)؟
مَن من العرب لا يتذكر الشريط الذي عرض حياة تلك الشخصية المثيرة بفضل الدور الذي قام به بيتر أوتول ومعه عمر الشريف لإعادة إحياء أحداث الجزيرة العربية في زمن الشريف حسين وابنه الأمير عبد الله ودخول الثعلب الماكر لورانس في حظيرة الثورة لخدمة أغراض الإمبراطورية البريطانية.
والتمهيد لوعد بلفور الذي سمح لليهود بإنشاء كيانهم القومي في فلسطين والمساهمة الفعالة في القضاء النهائي على الخلافة العثمانية؟. ولكن اليوم وبعد مرور خمسة وثمانين عاماً على تلك الأحداث تظهر حقيقة أخرى في غاية الغرابة.
ولكنها تساهم في تسليط الأضواء الساطعة على الوضع الراهن في أفغانستان والشرق الأوسط الكبير كما تسميه الإدارة الأميركية. هذه الحقيقة أعترف بأني أجهلها بالرغم من اهتمامي الأكاديمي بتاريخ الشرق الأوسط ومتابعتي لكل ما يظهر من حقائق على مدى ربع قرن.
واليوم بدأت تفتح خزائن الأرشيف الوثائقي الضخم في باريس بعد انقضاء الزمن القانوني الضروري وهو يختلف حسب سرية الوثائق من خمسين إلى تسعين عاماً.وعندما انفتحت معابر ووثائق الخارجية والمخابرات العسكرية الفرنسية كنت من أوائل الزوار أنقب عن تاريخ العرب والمسلمين.
وخفاياه وأسراره لأظفر بالدرر التي أنتظرها أو بالألغاز التي أتوقعها في العلاقات المعلنة والسرية بين القوى العظمى في تقاسم تركة ما كان يسمى بالرجل المريض أي بقايا ولايات السلطان العثماني.
اكتشفت أن لورانس عمل جاسوساً في أفغانستان عام 1926 مباشرة بعد مهمته بجزيرة العرب. وإليكم الحكاية كما نقلتها المخابرات الفرنسية التي كانت تتابع الشأن البريطاني عن كثب. تقول الوثائق بأن لورنس غير اسمه مرتين، الأولى سمى نفسه جون هيوم روس لينخرط في الطيران.
و الثانية سمى نفسه جون هيوم شو وحصل على رقم 338171 في سلم الترتيب بالمخابرات وتم إرساله حسب طلبه إلى الهند التي كانت بالطبع خاضعة للاستعمار البريطاني ثم تسرب إلى بيشاور ليبقى هناك ستة أشهر.
وفي أيام شهر مايو من سنة 1928 قامت ثورة الأفغان ضد الملك أمان الله خان وقام لورانس تحت اسمه المستعار بمساندة الثوار وتزويدهم بالسلاح تماما كما فعل مع أبناء الشريف حسين.
وتحركت حكومة الملك لتلقي القبض على لورنس، والغريب أن الصحافة اللندنية لم تكن تعلم بالهوية الحقيقية للضابط هيوم شو والذي لم يكن إلا لورانس. ونزلت مظاهرات في شوارع لندن نظمها اليساريون الإنجليز للاحتجاج على الامبريالية البريطانية التي تطيح بالأنظمة الصديقة بواسطة ضباط المخابرات.
وفي يوم 5 يناير 1929 فضحت صحيفة »دايلي هيرالد« الجاسوس المتخفي ونشرت بأنه هو لورانس الداهية وفي قصر وستمنستر دعا النائب ارنست ترتل الحكومة لتوضيح سبب تواجد لورانس في أفغانستان. وتقول المخابرات الفرنسية بأن الملك أمان الله خان وصل إلى العرش عام 1919 وأصبح حليفاً للروس مما يهدد مصالح بريطانيا.
كما انه مال نحو باريس لتحديث جيشه واقتصاده فاتحاً الباب لفرنسا على حساب بريطانيا التي تعتبر شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى حكراً كاملاً لامبراطوريتها.
وكانت مهمة لورانس تتمثل في استطلاع الملابسات السياسية وتثوير القبائل على الملك للتمهيد لغزو عسكري بريطاني لأفغانستان يكون هو الثالث منذ 1910 بالنظر إلى حرص لندن على البقاء في المنطقة.
ولكن هذه المرة كانت صعبة الانجاز لأن الملك أمان الله خان عقد اتفاقية مع لينين الشيوعي الذي تسلم السلطة في موسكو بعد الإطاحة بالقياصرة وسميت تلك المعاهدة بمعاهدة الصداقة لكن بنودها السرية كما تكشفها المخابرات العسكرية الفرنسية تنص على التعاون العسكري .
والمخابراتي والاستراتيجي لغلق أبواب أفغانستان في وجه الامبريالية البريطانية وقصر التعاون على فرنسا وألمانيا اللتين تعتبرهما موسكو في ذلك العهد مهيأتين لثورة بولشيفية!
وفي المقال القادم سوف يكتشف القراء معي كيف كانت أفغانستان محط أنظار ومطامع القوى الكبرى منذ ذلك التاريخ وتقريباً للأسباب نفسها الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية التي تستمر اليوم بوسائل أخرى.
وسيرون من خلال مغامرات لورانس العرب كيف تتحرك تلك القوى العظمى وبأية وسائل لتخادع بعضها البعض وتناور لتتوسع على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها.
٭ كاتب تونسي
alqadidi@hotmail.com