الأحزاب الإسلامية على غرار تنظيم »الإخوان المسلمين« محظورة في عدد من البلدان العربية بحجة أن الدستور يمنع قيام أي أحزاب تشكل على أسس دينية.
لكن من يضع الدستور ويجيزه سوى الأنظمة الاستبدادية الحاكمة التي تصادر الإرادة الشعبية؟
إن المبدأ الأساسي في النظام الديمقراطي التعددي هو توفير حرية للتجمع والتنظيم والتعبير على أساس المساواة الكاملة. وفي هذه الحالة فإن جمهور الناخبين هم الجهة المرجعية الوحيدة التي تقرر دفع حزب ما إلى السلطة.
أو إسقاط حزب ما دون أن تكون هناك وصاية لحزب على آخر. وفي كل الأحوال ليس مسموحاً في إطار الديمقراطية الليبرالية التعددية للسلطة (التي ينبغي أصلاً أن تكون منتخبة ديمقراطياً) أن تعمد إلى حظر حزب ما.
الجهاز القضائي المستقل هو وحده الذي يملك في إطار نظام ديمقراطي حر سلطة حظر حزب أو آخر. وفي هذه الحالة لا يبنى قرار الحظر القضائي على مبادئ الحزب وأفكاره وإنما لخرقه قواعد اللعبة الديمقراطية، كأن يثبت قضائياً أن قيادة الحزب متورطة في تدبير محاولة انقلابية.
وهذا هو معنى مبدأ سيادة القانون، خصوم الأحزاب الإسلامية الراديكالية في العالم العربي يتهمونها بأنها لا تؤمن بمبدأ تداول السلطة سلمياً، بمعنى أنها إذا أتيح لها تسلم السلطة عن طريق صناديق الاقتراع في نظام ديمقراطي حر فإنها في سبيل مواصلة الإمساك بالسلطة إلى الأبد ستنسف عملياً قوائم النظام الديمقراطي لتنفرد بالحكم على نسق استبدادي.
هذا الاتهام قد يكون صحيحاً، وقد لا يكون، وفي كل الأحوال لا يجوز التعميم، فالأسلم أن تؤخذ كل حالة على حدة في كل البلدان العربية.لكن ماذا عن الأنظمة الحاكمة في العالم العربي، هل تؤمن بمبدأ تداول السلطة سلمياً فتطرح نفسها طوعاً على اختبار انتخابي؟
ولنخرج من دائرة التنظير إلى دائرة الواقع المرئي:إن حظر الأحزاب الإسلامية في العالم العربي هو بالدرجة الأولى مطلب أميركي في سياق حرب أميركية على نطاق عالمي ضد تيار المد الإسلامي المتنامي أصبحت تشن باسم »مكافحة الإرهاب«.
ومن سخريات القدر أنه بينما تدفع الولايات المتحدة الأنظمة الحاكمة في اتجاه الحرب على المنظمات الإسلامية فإنها كانت طوال عهد الحرب الباردة ضد المعسكر السوفييتي الاشتراكي تضغط على هذه الأنظمة نفسها على عقد تحالف مع المنظمات الإسلامية في جبهة واحدة لمناوأة المد الشيوعي.وهكذا تتطابق »بارحة« محاربة الإلحاد الشيوعي مع »ليلة« محاربة الإرهاب الإسلامي!
غير أن المفاوضات لا تنتهي. فالأنظمة الحاكمة التي تحظر قيام أحزاب »على أسس دينية« هي نفسها التي تقمع بأعلى درجات الشدة أي حزب علماني التوجه إذا توسمت فيه معارضة جادة ضد المخططات الأميركية الإسرائيلية في المنطقة.