تسعى وزارة التربية والتعليم ــ جاهدة ــ إلى تطوير التعليم وتحسين نوعيته والبلوغ به إلى درجات الجودة العالية التي تشمل قطاعات كثيرة وأفرادا ومؤسسات لها علاقة مباشرة بالعملية التربوية والتعليمية. ولتحقيق ذلك وضعت الخطط ورصدت الميزانيات وشكلت اللجان من ذوي الكفاءة والخبرة العلمية والتربوية من أهل التخصص.

ولا شك أنّ هذا الأمر لا يقف عند حدّ تأليف الكتب وتطوير محتواها العلمي وبنائها بناء يتوافق والطموحات المستقبلية التي يستشرفها ذوو البصيرة من القائمين على شؤون التربية والتعليم في مجتمعنا.

ويستجيب لمتطلبات عصر يختلف اختلافا بنيويا كبيرا عما سبقه من عصور. إنّ الكتاب المدرسي المطور يحتاج إلى من يتعهده بالاهتمام والتفهم وبذل الجهد المخلص للرقي به وتنفيذه تنفيذا دقيقاً، ثم الإسهام في تطويره وتحسينه بإضافات حقيقية يتجلى فيها التفوق والإبداع والتجديد.

وهذا الأمر منوط بالمعلمين النابهين الذين يعدون حجر الزاوية في كل تطوير؛ إذ لا يمكن أن يؤتي التطوير ثماره إلا بإسهامهم الحقيقي وجهدهم المخلص وحضورهم المتألق الفاعل.

ومع أنني أتجنب الكتابة في هذا الموضوع لغير سبب، إلا أنّ ما يلمسه المرء كل يوم وما يسمعه من شكاوى متكررة من أولياء الأمور ولا سيما الأمهات، يضع الأمر في موضع الطارئ الملحّ الذي لا يجوز تجاهله أو التقليل من خطر نتائجه.

ويجعله يشعر أنّ كل الجهود الحثيثة المضنية التي يبذلها المخلصون في تأليف الكتب المطورة ــ وأخص هنا كتب اللغة العربية ــ قد تضيع هباء منثورا؛ فالكتب ــ للصغار خاصة ــ وجود مادي أبكم لا ينبئ عما فيه.

ولا يبين دون المعلم الحصيف القدير. إنه مادة خام تحتاج إلى يد ماهرة وحس فني عال وعقل ثاقب ينفخ فيها الحياة ويحيلها إلى روح وثّابة حية، تحاور وجدان الطفل وتطلق لخياله العنان، وتعمق المعرفة في نفسه بحرص ومحبة ووعي وإبداع.

إنّ المحك الحقيقي يتجلى في أساليب التنفيذ، والطرق التي يترجم بها محتوى الكتاب إلى مادة يكتسبها الطفل بإشراف المعلم ومتابعة الأسرة الواعية. على أنّ هذه الأساليب تعتريها أحياناً الأخطاء الفادحة .

وتخضع في معظم صورها إلى ممارسات قديمة خاطئة، بيد أنها متأصلة ضاربة بجذورها في أعماق الوعي والوجدان، بحيث أضحى التخلص منها أشبه بالمستحيل الذي لا سبيل لنا أمامه إلا اليأس والاستسلام.

وأريد هنا أن أسوق أمثلة واقعية تتكرر بين الحين والآخر، وكأن هناك إصرارا عنيداً على التمسك بها، على الرغم من أنّ المناهج المطورّة بنيت في الأصل على أساس نبذ مثل هذه الأساليب لعدم جدواها.

وبعض هذه الأمثلة يتجاوز هذا الإطار إلى أبعاد أخرى خطيرة تعكس خللا جوهريا وشرخا عميقا في المبادئ والقيم والثوابت التي نتفق جميعا على أنها من دعائم العملية التعليمية بمعناها الواسع.

ولعلنا نتذكر حين كنا في الصفوف الابتدائية الأولى كم نسخنا ونسخنا في دروس مادة اللغة العربية، ولم نكن نعرف وما عرفنا الهدف الحقيقي من وراء نسخ الدرس.

وما كان لنا من حيلة سوى أن نذعن للأوامر الصارمة، فنحني الظهور ممسكين بالأقلام منكبين على الدفاتر ننسخ وننسخ، لأن النسخ أحيانا يكون مرة وأحيانا يكون مرات.

كان هذا فيما مضى في زمن يختلف عن هذا الزمن في شروط العيش وتحقيق المتطلبات الكثيرة المتسارعة، ولكن الزمان تغير والحياة تطورت بقفزات هائلة نحو أفق جديد كل الجدة، ومع ذلك فإن واجب النسخ ما زال مقدسا راسخا رسوخ الجبال الراسيات.

أشعر بالحزن والدهشة معاً والأمهات المستفزات الغاضبات يتصلن بي مستغيثات من الضغط الذي يجثم على الصدور والعبء الثقيل الذي يعانيه أبناؤهن الصغار .

وهم يحنون الظهور ممسكين بالأقلام ينسخون الدروس في غير ما هدف ولا فائدة. ويسألن: ما الهدف من نسخ الدرس؟ وعبثاً أن تقتنع الأمهات، وهن على حق، بما تقوله بعض المعلمات من أنّ النسخ هو الوصفة السحرية لتثبيت المعلومات في عقول التلاميذ!

وإنّ المرء ليحار ويأخذه العجب؛ فمن الذي قرر النسخ على التلاميذ في كتب قامت على تصور جديد مختلف، وعلى نصوص لها متطلبات لغوية وأدبية، تؤسس لقاعدة معرفية لا يمكن أن تبنى على ما درج عليه المعلمون من تحفيظ وتلقين؟

ولماذا يصر بعض المعلمين على واجب النسخ هذا على الرغم من كل ما قيل من أنّ هذا الأمر مرفوض في المناهج المطورة؟ وكيف هو السبيل إلى إقناعهم والالتقاء بهم على أرض مشتركة من التصورات الجديدة التي لم تأت عبثا ولا ارتجالا؟

وإذا كان النسخ يكرس التأثير السلبي في شخصية الطالب ويختزل العملية التعليمية في دائرة ضيقة قائمة على أساس وحيد هو الحفظ ــ وهو مطلب مقنن في المناهج الجديدة وله مواقعه المحددة المنصوص عليها ــ فإنّه لا يشكل خطرا حقيقياً على القيم التربوية والمبادئ التي نسعى لغرسها في أبنائنا، من مثل الصدق والنزاهة والإخلاص.

فهو ظاهرة نستطيع أن نصفها بالحياد بالنسبة إلى البعد القيمي والأخلاقي في العملية التربوية. ولكن ناقوس الخطر سيدق عاليا بلا توقف حين يرى المتعلمون الصغار معلميهم ــ وهم القدوة ــ يقومون بممارسات تتنافى مع القيم التي ينادون بها ويصرحون.

فكيف نستطيع أن نجد عذرا لمعلمين يعطون تلاميذهم نسخة من نص قصصي وضعته لجنة التأليف ليكون أساسا لاختبار يقوّم فيه التلاميذ وتقاس به نواتج التعلم التي اكتسبوها ليقرؤوه في البيت قبل الاختبار بيوم ويأتوا في الغد ليجيبوا عن أسئلته؟

إنني هنا أسأل سؤالا صريحا ومباشرا أوجهه إلى من يهمهم الأمر من المعلمين وأولياء الأمور: ماذا نريد لأبنائنا؟

أ نريد لهم أن يحصلوا على الدرجات العالية التي ترضي رغباتنا وإصرارنا على عدم التنازل عن الدرجة الكاملة أو ما يقاربها بغض النظر عن الكيفية التي تحققت بها هذه الدرجة والواقع الذي تقيسه من تحصيل أبنائنا؟

أم نريد لهم ــ بصدق وحرص ــ أن تتاح الفرصة أمامهم لاكتساب المعرفة وحب العلم وممارسة التفكير وتذوق طعم الحرية والتحلي بالأخلاق الحميدة والتمسك بالمبادئ والقيم والنشوء على تحمل المسؤولية والتحرر من التقليد والنمطية والانفتاح على الحياة والمعرفة بروح متطلعة لا تكتفي.

ولا تتوقف عند حد الشهادة والدرجات التي لا تعدو في النهاية أن تكون أرقاما تعجز عن ترجمة حقيقة هذا الإنسان الصغير بكل ما يعتمل في خاطره من أسئلة وأحلام؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد الكثير مما نفعله في رحلة تطوير المناهج الطويلة الشاقة.

وأقول أخيراً: إن محبة الناشئة لا تكون بتحطيم بهجة الدهشة وفرح الاكتشاف في قراءة الكتاب، وأقول آخراً: أنقذوا أجيال الغد من الوصاية القاتلة ومن هذا الحب القاسي !!

جامعة الامارات