أشرنا يوم أمس الى ان العدوان الارهابي الذي تعرض له بلدنا مؤخرا أوجد بداية لتحالف دولي انساني واسع النطاق ومتعدد الاتجاهات يمكن البناء عليه والتقدم به نحو تعظيم القيم النبيلة والمواقف الانسانية وجعلها قوة دافعة لحل الأزمات الاقليمية والدولية ووضع حد للحروب التي ينجم عنها كثير من القتل والتعذيب والمآسي وتمثل وجهاً آخر من وجوه الارهاب الذي لا بد من ملاحقته والقضاء عليه وعلى الارضية التي يعشعش فيها وينمو على الدماء المسفوحة عليها.
وقلنا ان جريمة القاعدة التي شهدتها فنادق عمان فتحت الأعين على قبح ذلك التنظيم الذي انكشفت كل أوراقه ووضعنا أمام خيار واحد وحيد ألا وهو خيار المواجهة والملاحقة حتى يزول من حياتنا ومن عصرنا هذا الذي تجاوز فيه الظلم والعدوان والفساد كل الحدود المحتملة بحيث صار من الضروري اعادة تشكيل العلاقات الدولية على أسس أكثر انسانية وتضامناً ليس في وجه الارهاب وحسب، بل في وجه كل انتهاك للقيم والمبادىء الانسانية وكل اعتداء على حق الانسان في الحياة الذي هو أول حقوقه المنصوص عليها في الشرائع كلها وقبل الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
مؤشرات ذلك التحالف كثيرة وعديدة وآخذة في التنامي في كل يوم منذ وقوع الجرائم الارهابية الاخيرة وفيها من علامات القوة والتصميم ودلالات الخير والتضامن والتكافل ما يبشر بحدوث تغير ايجابي في الرأي العام العالمي يقوم على اعتبار ان الارهاب جزء من حالة ظلامية ليست سلفية مثلما درجت العادة على وصفها فقط انما هي معاصرة بكل ما يعنيه الواقع الدولي الراهن من انهيار في القيم وانتهاك للقوانين والاعراف الدولية وهيمنة وسيطرة وغطرسة وعنجهية.
ان الاصرار الذي اظهرته العديد من المحافل وهي تعقد اجتماعاتها في عمان بل وفي الفنادق التي تعرضت للتفجير هو في حد ذاته موقف تضامني ينطوي على كثير من التحدي ويترجم ارادة العمل نحو مستقبل حافل بالامن والامان والتنمية والازدهار، وليس ادل على ذلك من اجتماعات منظمة المجالس الاقتصادية والاجتماعية الاورومتوسطية التي استقبل جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين رئيستها والتي تعمل في نطاق بيان برشلونة الذي يفتح الآفاق رحبة للتعاون والتقارب والتفاهم بين دول وحكومات وشعوب هذه المنطقة للتعلب على العوامل التي اقامت جدرا وحواجز من الريبة والشك بينها في الماضي القريب.
وكيف نفسر قرار المنظمة العربية للسياحة عقد اجتماع طارئ في فندق راديسون ساس احد الفنادق التي تعرضت للتفجير الا انه موقف يصب في ذلك التحالف القوي ضد الارهاب، ولعل الاتفاق الذي توصل اليه الاشقاء لضخ مزيد من الاموال للاستثمار في المشاريع السياحية انما هو تأكيد على ثقتها بقدرة الاردن على صيانة امنه وتثبيت للتقدم الذي احرزه هذا القطاع في السنوات الاخيرة وما جناه من مردود جيد على مداخيل الدولة، وهذا النوع من التكافل هو الذي يعيدنا الى منطق الامة التي لملمت شعوبها ووحدت جهودها وعزمت امرها كي تدافع عن حقوقها المشروعة وتحمي مكتسباتها وتذود عن نفسها ضد كل اعتداء مهما كان مصدره.
ولا بد ان نلحظ بكثير من الاعتزاز قيام الجمعية العلمية لمكافحة الارهاب الذي عقدت اجتماعها يوم امس لتكون مساهمتها عن طريق توعية وتثقيف الافراد والمؤسسات على كيفية التصدي للارهاب رافدا اخر من روافد ذلك التحالف التي يزداد ويقوى كل يوم، فما علينا نحن في المقابل الا ان نظهر قدرتنا على اعطاء النموذج على التحالف الوطني ليكون حلقة من حلقات التحالف الدولي، وذلك ما امكننا التعبير عنه عقب الحوادث الاجرامية وكان حافزا لكل هذا التأييد والتضامن الذي يحيط بنا من كل جانب.