كل ما يجري في إسرائيل الآن لن يؤثر في مستقبل عملية السلام، لكننا كعرب نصر على ممارسة خطئنا التقليدي، فنصور لأنفسنا ما يحدث على صعيد المنافسة السياسية وكأنه صراع بين قوى السلام، والقوى المعادية له.
لقد اختار حزب العمل بزعامة عمير بيرتس الانسحاب من الحكومة التي جمعته لثلاث سنوات مع تكتل الليكود فكان ذلك كفيلا بإسقاط الحكومة، ومن ثم حل الكنيست، وهذا أمر معتاد في إسرائيل، ولا علاقة مباشرة له بخلافات بين الجانبين حول عملية السلام.
وبالمثل لم يكن الإعلان الرسمي عن بدء الإجراءات القانونية لانتخابات جديدة. أو اتجاه شارون لتشكيل حزب منشق عن الليكود أمرا استثنائيا، فكم من انتخابات أجريت على امتداد سنوات ما بعد اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين، وكم من زعيم اختار الانشقاق عن حزبه الأصلي، دون أن يؤثر ذلك لا على عملية السلام، ولا على المواقف العنصرية التي تتبناها إسرائيل.
إن من يراجع التاريخ القريب فسيجد أن مثل هذه التطورات تعود بالضرر ، لا النفع على العرب، ففي انتخابات 1996 التي خاضها زعيم حزب العمل وقتها شيمون بيريز، والذي يوصف من قبل البعض بالاعتدال، دفع الجنوب اللبناني الذي تعرض لهجوم إجرامي عرف بعناقيد الغضب ثمن رغبة الأخير في خلافة اسحاق رابين، وقبيل انتخابات 1999 التي راهن فيها العرب على فوز الجنرال إيهود باراك على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تعرض قادة المقاومة لسلسلة من التصفيات، ثم جاء باراك فكان أكثر تشددا من سلفه مما أدى لاندلاع انتفاضة الأقصى المباركة.
أما في انتخابات 2001 و 2003 فكان الانتصار على الدوام لفكرة التصعيد ضد الفلسطينيين وكان المنتصر دائما هو شارون الذي يريد الآن أن يستمر في السلطة عبر الاستفادة من المكاسب الاستراتيجية التي حققها خلال السنوات الماضية عارفا أنه لا يحتاج لدعم الليكود بقدر احتياجه لأصوات قوى التطرف الغالبة داخل الكيان الإسرائيلي. علما بأن ذات القوى تقع في مرمى زعيم حزب العمل الذي بدأ في تغيير خطابه خلال الأيام الماضية باتجاه تبني الأساطير الصهيونية، والمواقف الرافضة لتسوية تقوم على أساس القرارات الدولية.
إن المتابع لتطورات الوضع داخل إسرائيل لا يستطيع توقع تطورات إيجابية لصالح العرب عامة والفلسطينيين خاصة، بل إن العكس هو الصحيح فالسباق بين القوى السياسية الإسرائيلية سوف يحتدم مع الوقت، وسيحاول كل حزب إبراز الجوانب الأكثر تشددا في برامجه. فيما سيحاول شارون أن يستفيد من الأيام الباقية لحكومته كي يثبت للناخبين أنه الأقدر على تحقيق الأمن حتى لو كان برهانه على ذلك عمليات إجرامية جديدة ضد الأبرياء في غزة والضفة الغربية.