هم البسمة التي ترسمها الحياة على وجوهنا المرهقة كي تزيح من على نفوسنا ركام الأيام، وتنفض عن أرواحنا غبار السنين. وهم البراعم التي تتفتح كل يوم في حقول العمر كي تشق لنا طريقاً مفروشاً بالأمل وسط كتل الظلام التي تحيط بنا حاجبة عنا كل منافذ الضياء. وهم النواة التي تتشكل منها خلايا المجتمع ليكتمل من خلالها النسيج وتنشأ الأوطان وتتواصل عمارة الكون.

كل هذه اللغة الشاعرية التي نتحدث بها عن الأطفال، وهذه اللوحة الرائعة التي نرسمها لهم لا تكتملان ولا يكون لهما وقعهما المؤثر ما لم تتوفر لهذه الفئة الواعدة من المجتمع الحدود الدنيا من الحقوق التي تتمثل في الصحة والتعليم والحماية من الاستغلال وسوء المعاملة.

فهل توفرت لأطفال العالم وأطفالنا هذه الحقوق كي نتطلع إلى مستقبل زاهر لنا وللبشرية، وكي نجنبهم المعاناة ونمنع نشوء أحزمة الفقر التي باتت تهدد المدنيات الحديثة.

وتشكل بؤراً قابلة للانفجار في أي لحظة، وسط عالم سريع التغير ذي وجهين متناقضين: وجه مشرق يتفجر صحة و ثراء وحيوية، وآخر مظلم كئيب يئن تحت وطأة المرض والفقر والمعاناة؟

»عالم جدير بالأطفال« هذا هو عنوان الوثيقة التي انبثقت عن الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بالطفل التي انعقدت في شهر مايو من عام 2002 حين قرر 190 .

وفدا رفيع المستوى يمثلون دول العالم ـــ من بينهم 69 رئيس دولة ــــ اعتماد تلك الوثيقة بتوافق الآراء بغرض استكمال الأهداف التي تحددت في مؤتمر قمة الأمم المتحدة للألفية الذي انعقد عام 2000.

وأصدر إعلان الألفية الذي أقر فيه رؤساء دول وحكومات كل البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة بمسؤوليتهم عن دعم مبادئ كرامة الإنسان والمساواة والإنصاف، وبواجبهم تجاه شعوب العالم »لاسيما أضعفهم، وبخاصة أطفال العالم، فالمستقبل هو مستقبلهم«.

وقد جعلت وثيقة »عالم جدير بالأطفال« من حقوق الطفل محورا للجهود الرامية إلى تشجيع المعيشة الصحية، وتوفير التعليم جيد النوعية، وحماية الأطفال من سوء المعاملة والاستغلال والعنف، ومكافحة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب »الإيدز«.

هذه الوثيقة جاءت تطوراً طبيعياً لاهتمام العالم بالأطفال الذين حملت بداية عقد التسعينات بشرى عظيمة لهم عندما أصدر الزعماء في مؤتمر القمة العالمي من أجل الطفل الذي انعقد عام 1990 نداءً عالميا عاجلا لضمان مستقبل أفضل لكل طفل.

وأصبحت اتفاقية حقوق الطفل التي دخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 1990 أكثر معاهدات حقوق الإنسان قبولا لدى الجميع، حيث صدّقت عليها كل الدول تقريبا.

وتبع الاتفاقية صدور بروتوكولين اختياريين استهدفا حماية الأطفال من الاتجار بهم، ومن استغلالهم في البغاء وفي إنتاج المواد الإباحية، وإشراكهم في النزاعات المسلحة.

إلا أنه على الرغم من كل هذه الإنجازات التي تمت على صعيد القمم وتوقيع الاتفاقات، وعلى الرغم من إحراز بعض التقدم الملموس في مجال الصحة العامة وغيرها، وبعد مرور كل هذه الفترة، فإن إنجاز الأهداف الطموحة لمؤتمر القمة العالمي بالكامل لا يزال بعيد المنال.

كما تظهر تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة »اليونيسيف« إذ إن هناك 11 مليون طفل تقريباً يموتون كل عام رغم إمكانية تجنب ذلك في معظم الحالات، كما أن حوالي 115 مليون طفل لا يزالون محرومين من الدراسة الابتدائية، 54 في المئة منهم إناث.

وحوالي 150 مليون طفل يعانون من سوء التغذية في الدول النامية. وهناك ملايين الأطفال الذين يُستغلون في القيام بأعمال خطرة، أو يباعون ويجري الاتجار بهم أو تعريضهم للإيذاء والإهمال والعنف بما في ذلك الحروب. كما أن وباء نقص المناعة البشرية المكتسب »الإيدز« آخذ في التفشي بسرعة مذهلة بين الأطفال والشباب.

هذا على صعيد العالم الذي يبلغ عدد الأطفال فيه 2.3 مليار طفل، يشكل عدد الأطفال في البلدان أعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي ربعهم (600 مليون طفل تقريباً) تشهد دول المنظمة.

وفاة 4.3 ملايين طفل دون سن الخامسة منهم كل عام بسبب أمراض يمكن الوقاية منها ونتيجة لسوء التغذية، حيث يتوفى ما يربو على 60 في المئة منهم قبل أن يكملوا عامهم الأول، ويعاني نحو 6 ملايين طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية.

ولا يمكن لنحو 23 في المئة من مجموع السكان الحصول على المياه الصالحة للشرب، كما يفتقر 45 في المئة منهم إلى المرافق الصحية اللازمة، ويواجه الأطفال في إفريقيا ــــ جنوب الصحراء بالذات ـــ أزمة تعرض حياتهم للخطر بسبب النزاعات المسلحة وتفشي »الإيدز« وتنامي الفقر.

كل هذه الحقائق فرضت نفسها وأطلت بوجهها عندما وُجِّهت الدعوة للوزراء المكلفين بالطفولة في منظمة المؤتمر الإسلامي لعقد اجتماع في المغرب لمناقشة أداء الدول الإسلامية فيما يتعلق بأهداف تطور الألفية، وكيفية جعل بلدانهم ملائمة للأطفال.

ومجالات التحدي والأداء الأفضل، والتعاون المتزايد بين دول المنظمة لتسريع تقدم الأطفال، الأمر الذي يعني اعتراف قادة الحكومات الإسلامية بأن التحديات التي تواجه الأطفال في بلدانهم تقتضي اهتماماً عاجلاً وعناية خاصة بهذا الشأن.

وليشكل عقد هذا المؤتمر خطوة بارزة يشمل أثرها ما يفوق ربع أطفال العالم الذين ما زالوا يرزحون بدرجات متفاوتة تحت براثن الفقر وسوء التغذية والأوبئة.

توصيات المؤتمر الذي عقد في الرباط لم تخرج ـــ كما هو متوقع ـــ عن منظومة توصيات كل المؤتمرات والاجتماعات العربية والإسلامية، والدولية أيضاً. وليس مطلوباً من المؤتمر بالطبع أن يحمل عصا موسى لتغيير أوضاع 600 مليون طفل ينتشرون على مدى رقعة العالم الإسلامي؛ ينقصهم التعليم، وتنتشر بينهم الأوبئة، ويُستغلون بشكل سيئ، ويستخدم بعضهم في الحروب فيُقضى على براءتهم قبل أن تُزهق أرواحهم.

لكن أطرف ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر هو التوصية باحترام وضمان حقوق كل الأطفال في مجتمعاتنا دون أي تمييز أو اعتبار للعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الاجتماعي.

والالتزام بالمبادئ العامة لحقوق الطفل، مع التأكيد على ضرورة تهيئة بيئة صالحة للأطفال يشعرون فيها بالأمان، وتتوفر لهم فيها الحماية من الإيذاء والعنف والتمييز!.

فهل تم احترام وضمان حقوق الكبار في مجتمعاتنا، وهل هُيئت لهم بيئة صالحة يشعرون فيها بالأمان حتى نطالب باحترام وضمان حقوق الصغار وتهيئة هذه البيئة لهم؟

نتمنى أن يحقق الله لأصحاب المعالي الوزراء المكلفين بالطفولة في عالمينا العربي والإسلامي أحلامهم، وأن يهيئ لأطفالنا على أيديهم عالما يليق بالصغار بعد أن خابت آمالنا ــــ وربما آمال أصحاب المعالي الوزراء ــــ في تهيئة عالم يليق بالكبار.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com