ماذا يريد أهل دارفور على وجه التحديد؟ رغم أن هذا هو السؤال المفتاحي الذي ينبغي ان يطرح حسب أي أولوية إلا أن هناك سؤالاً آخر ينبغي ان يكون سابقا عليه حسب السياق المنطقي الطبيعي: هل تمثل منظمات التمرد الدارفورية شعب الإقليم الذي يتكون من أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون؟

لنأخذ في الاعتبار أولا انه إلى جانب أن قسما من سكان دارفور قبائل »إفريقية« فإن هناك أيضا مجموعة قبائل عربية هي التي تشكل أغلبية السكان.

ورغم أن قادة منظمات التمرد يطرحون أنفسهم ضمنياً أو تصريحيا في بعض الأحيان كممثلين للقبائل الإفريقية إلا أن هذه المنظمات انشقت على نفسها انطلاقا من تباين قبلي صرف. فبينما تنتمي أحدي المنظمتين الرئيسيتين إلى قبيلة الفور فإن الأخرى تنتمي إلى قبيلة الزغاوة.

هكذا يصبح تساؤل »ماذا يريد أهل دارفور« تساؤلا غامضا.. وربما بلا معنى.. ولذا فإنه قد آن الأوان ليتخذ التساؤل صيغة انشطارية مستوحاة من الواقع الديمغرافي الثقافي القبلي في الإقليم. فنقول:

ــ ماذا تريد قبيلة الفور؟

ـــ وماذا تريد قبيلة الزغاوة؟

ــ وماذا يريد مجموع القبائل العربية؟

تأسيسا على حالة التشظي هذه تصبح الجولات التفاوضية التي تعقد في العاصمة النيجيرية أبوجا لا معنى لها أيضا.

فهل يعني ذلك بالضرورة وجوب الاستغناء عن العملية التفاوضية التي تتجدد من حين لآخر؟ بالطبع لا.

لكن التركيبة التفاوضية الراهنة ينبغي ان تتغير ليحل محلها تركيبة تجمع كافة ممثلي القبائل في إقليم دارفور قاطبة ودون استثناء وقادة المنظمات المتمردة مع ممثلي الحكومة السودانية.

إن قادة التمرد يدركون أنهم لا يستطيعون التحدث نيابة عن أهل دارفور جميعاً ولا حتى كممثلين شرعيين للقبائل الإفريقية. ولذا فإنهم يتحاشون قدر الإمكان طرح مطالب مصيرية مثل مطلب الحكم الذاتي للإقليم ومطلب فصل الدين عن الدولة في إقليم يطغى فيه الوجدان الديني الإسلامي بأعلى درجات القوة.

لكن ليس معنى هذا انه ليس لمنظمات التمرد أجندة سياسية معينة ومحددة. غير أنها كما تبث أجندة مصنوعة في الخارج مستوحاة من مخططات قوى دولية ذات أهداف استراتيجية على المدى البعيد.

هذا مما يفسر لنا لماذا تتبنى هذه القوى الدولية تمويل منظمات التمرد وتسليحها ورعايتها ودعمها دبلوماسيا على صعيد الساحة الدولية.. ويفسر أيضا لماذا تحرص هذه القوى على حصر القضية في مسائل هامشية مثل الإغاثة واللاجئين والنازحين .

ومراقبة وقف إطلاق النار مع تفادي أي طرح للحلول السياسية الجذرية.. وكأنها تريد إبقاء الوضع كما هو عليه إلى ان يحين الوقت الملائم لإعلان الأجندة الحقيقية بعيدة المدى.إنها أجندة لا يمكن إلا أن تكون ذات علاقة بوجود أكثر من11 ألفاً من موظفي الإغاثة التابعين لجمعيات مسيحية تبشيرية من أوروبا والولايات المتحدة.