كان الحاكم المطلق والحكم المستبد هما القاعدة عبر معظم مراحل التاريخ، حيث لم يكن للشعب في غالبية مراحل التطور المجتمعي ومراحل تكوين الدولة دور يذكر في اختيار الحاكم أو تشكيل مؤسسات الحكم أو إدارتها أو الإشراف عليها.
لكن العصر الحديث شهد تبدل الأوضاع كثيرا وخضوع السلطة السياسية لمؤسسات مجتمعية أدت إلى إضعاف الحاكم المطلق وتراجع جبروت الحكم المستبد وحصول معظم شعوب العالم على حقوق متفاوتة للمشاركة في اختيار الحاكم وإدارة الحكم.
ورغم استمرار معاناة العديد من شعوب العالم الثالث من فساد الحكام وسوء إدارة الحكم إلا ان ممارسات أسوأ الأنظمة السياسية المعاصرة وأكثرها ظلما لا ترقى إلى مرتبة الاستبداد الذي عرفه تاريخ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وقيام نظم الحكم الشيوعية والثورية في العديد من دول العالم الثالث وغالبية دول أوروبا الشرقية.
إن هناك فرقاً كبيراً بين الحاكم المطلق الذي عرفته العهود الغابرة والحاكم المطلق الذي عرفته العصور الحديثة، إنه فرق لا يتعلق بالنوايا أو بالممارسات بقدر ما يتعلق بالقدرة على ممارسة الحكم المطلق وحجم وعمق الآلام التي أوقعها الحكام المستبدون بشعوبهم وبالغير.
حكام العهود الغابرة كانوا عاجزين عن فرض الهيمنة المطلقة على البلاد التي حكموها والقيام باستعباد الناس كما أرادوا، وذلك بسبب تخلف طرق المواصلات وانعدام وجود وسائل الاتصال وضعف أجهزة التجسس على الناس.
بينما توفرت لحكام العصور الحديثة المستبدين الكثير من الوسائل الفنية والمعدات التكنولوجية والنظم الإدارية لممارسة الإرهاب وكبت حرية الرأي والتجسس على المعارضة وإذلال الشعوب واستعبادهم.
الحاكم المطلق كما عرفه التاريخ الحديث هو إنسان مدفوع بإيمان كامل بأن لديه قدرة قيادية عظيمة وأفكارا جديدة لا تتوفر لغيره من الناس، وأنه يتمتع بذكاء حاد وعبقرية خارقة تؤهله لقيادة الشعب والتصرف بمقدرات الوطن والمواطن كما يشاء.
أو أنه شخص متوسط الذكاء يتمتع بأنانية مطلقة وشهوة سلطوية عمياء تدفعه لفرض الهيمنة الكاملة على الشعب والوطن وعدم التورع عن ارتكاب أفظع الجرائم بحق المواطنين وإرهابهم من اجل تحقيق أهدافه وتكريس سلطته وسطوته على الجميع.
إضافة إلى القائد »العبقري« والقائد الأناني، هناك القائد الصدفة الذي لا يتمتع إلا بالقليل من الذكاء، لكن ظروفا تاريخية غير عادية وضعته في مركز القيادة، مما يجعله يعاني من عقدة نقص تدفعه إلى التصرف بعشوائية أحيانا، وإساءة استخدام السلطة أحيانا أخرى.
والاستعانة بفئات ضعيفة الانتماء للمجتمع لتدعيم سلطاته وتبرير ممارساته. وإذا كانت أفعال هذا النوع من الحكام لا تضع الحاكم الصدفة في مصاف الحكام المطلقين إلا أن الأضرار التي يلحقها حكمه بالوطن والمواطنين تكون عادة كبيرة للغاية وذات أبعاد مجتمعية واسعة وعميقة.
بينما يمتلك الحاكم الأول رؤية تاريخية ثاقبة وصفات شخصية فريدة تدفعه إلى الإسهام الفاعل في صنع التاريخ، يتصف غيره من الحكام المطلقين بكونهم نتاجا لظروف سياسية واجتماعية غير عادية.
وأحيانا إفرازات لأحداث عرضية مرضية لا علاقة لها بقدراتهم الشخصية أو قناعاتهم الذاتية أو ملكاتهم العقلية والفكرية. إن هذه الصفات القيادية تجعل من السهل أن يحظى القائد الأول بلقب »القائد التاريخي«، ويبقى القائد الثاني صدفة تاريخية مؤسفة، وأحيانا مروعة.
وفي العادة يقوم الصنف الأول من القادة التاريخيين بالإسهام في صنع التاريخ من خلال اتخاذ المواقف الشجاعة وطرح الأفكار الجريئة ومواجهة التحديات الصعبة وتقديم التضحيات الجسام بلا تردد.
أما الصنف الثاني من قادة الصدفة ـــ وبحكم افتقادهم لمجمل الصفات القيادية ـــ فقد كانوا دوما حكاما ولم يكونوا قادة، مما جعلهم يعجزون عن طرح المبادرات الجريئة ويعملون بمثابرة على تجنب التحديات الصعبة والتهرب من تقديم التضحيات.
واللجوء إلى التحايل على الناس والتفنن في استغلال الضعفاء والفقراء واغتصاب حريات المفكرين والمبدعين. نتيجة لذلك، يلاحظ نجاح القائد التاريخي في غالبية الأحيان في صنع التاريخ .
وجر الأحداث الهامة إلى الدوران حول أفكاره ومواقفه، ونجاح الحاكم الصدفة في التهرب من التحديات والتضحيات والمسؤوليات والعيش تائها في فلك تاريخ من صنع غيره، يتأثر بالحدث ولا يؤثر فيه.
القائد التاريخي ــــ وبحكم ما يتمتع به من رؤية تاريخية ــــ يتجه عادة إلي التركيز على صنع المستقبل وليس على إدارة الواقع، مما يجعل الواقع بالنسبة له مسرحا لتحديد أدوار الممثلين وتشكيل عناصر الهدف واختيار وسائل الوصول إليه.
وحيث أن صورة المستقبل المنشود هي رؤية فردية لا جماعية ولا مجتمعية، فإن الواقع بكل إمكانياته المادية والبشرية والمؤسسية يصبح أداة مسخرة لبناء صورة مجتمعية جديدة متوافقة مع رؤية القائد وتصوراته الشخصية.
وهذا يعني اتجاه القائد التاريخي إلى تنصيب نفسه وصيا على الوطن ومقدراته وإهمال الشعب وعدم الاكتراث لآرائه إلا بالقدر الذي يتمشى مع رؤيته للأمور ويخدم الأهداف التي يحلم بتحقيقها، مما يضع القائد فوق الشعب ويضع أهدافه فوق مصالح الوطن والمواطن.
رغم استبداد القائد التاريخي في الرأي واتجاهه عادة إلى مصادرة الحريات العامة، فإن الشعوب قلما اعترضت سبيل القيادات التاريخية وقلما تحدت سلطاتها المطلقة، وكثيرا ما سمعت من القيادات المثقفة السلطوية ما يكفي من المبررات للسكوت على الظلم والقبول بالكبت والقهر.
ويعود السبب في خنوع الجماهير وقبولها بالذل لأمور عدة من أهمها ظهور القيادات التاريخية في حياة الشعوب عامة في لحظات يأس أو انهيار أو تحولات مجتمعية مهمة تفقدها القدرة على الرؤية الواضحة والمقدرة على التحكم في الأمور.
لذلك كان مجيء القيادات التاريخية بمثابة رسل إنقاذ ودعاة إصلاح ومحاور إجماع شعبي في مقدورها، ومن مهامها أيضا استقطاب الجماهير وتوجيهها نحو إعادة بناء الواقع في صورة الحلم التي رسمها القائد دون نقاش، وشحنها بشحنة حماس تعدها لتقديم التضحيات الكبيرة إذا اقتضى الأمر.
كان من القيادات التاريخية التي ظهرت في العصور الحديثة وحملت لواء الإصلاح والتغيير ورفعت شعارات إعلاء شأن الأمة وتعزيز مكانة الوطن نابليون وهتلر وستالين وجمال عبد الناصر. ولقد جاءت تلك القيادات جميعا لتقود شعوبها خلال فترات تحوُل تاريخية مهمة شهدت شيوع الإحباط وتكرر الهزائم والأزمات الداخلية وفقدان الثقة بالنفس.
لذلك لم تجد تلك القيادات صعوبة تذكر في الحصول على سلطات مطلقة استخدمتها لتوجيه إمكانيات الأمة لبناء واقع جديد وتحقيق مكانة دولية مرموقة لنفسها ولبلادها.
لكن طموحات تلك القيادات ربما كانت اكبر من قدرات الشعوب التي قادتها، وكانت التغيرات التي حاولت إحداثها اكبر من القدرة الاستيعابية للبيئة الاجتماعية والاقتصادية والدولية التي عملت من خلالها واستهدفت إعادة هيكلتها.
لذلك انتهت غالبية القيادات التاريخية بالفشل، وآلت محاولات التغيير المجتمعي إلى الانهيار، وفقدت الشعوب ثقتها بالقادة ومؤسسة الحكم، واتجهت المجتمعات إلى التفكك والثقافات الوطنية إلى التمزق.
ولكن بعد قيام الأمم والشعوب المعنية بدفع أثمان باهظة لطموحات قيادات فردية والانصياع لأوامر استبدادية. وهذا يعني أنه رغم الشجاعة الذاتية، والرؤية الهادفة.
والتضحية من أجل الصالح العام تنتهي القيادات التاريخية عادة بالفشل والعودة بشعوبها إلى حالة جديدة من الإحباط والضياع تكون في الغالب أعمق من الحالة القديمة وأكثر منها يأسا وبؤسا.
وبذلك يمكن القول ان القيادات الفردية المطلقة هي قيادات قاصرة رغم الذكاء، عمياء رغم الرؤية التاريخية، ظالمة رغم الإخلاص للوطن، وفاسدة رغم شعارات العدل والمساواة.
أكاديمي أميركي من أصل عربي
professorrabie@yahoo.com