لقد كان واضحاً منذ زمن افلاطون أن تنظيم المجتمع على أسس عقلانية مثّل، وما زال، معضلة حقيقية. إذ أن لا الديمقراطية ولا استبداد القلة (الاوليجاركي) وتسلطها يمكن أن يوّلد مجتمعاً مستقراً.
لسبب بسيط هو أن القلة أو النخبة مجبولة على تقديم مصالحها الخاصة على مصالح الجماعة، بحكم عمل القانون الحديدي للاوليجاركي. والاستنتاج العملي والمنطقي أيضاً هو أن سبب فقدان الاستقرار يعود في المقام الأول إلى فقدان العدالة، التي يولدها عمل القانون الحديدي للاوليجاركي.
ومن حيث المبدأ ــ يفترض في الديمقراطية وسيادة القانون، ان يحصل المواطنون على أنصبة عادلة، اقول عادلة وليست متساوية بالضرورة، من الدخل الوطني.
ولكن القلة المهيمنة من أصحاب الثروة والنفوذ والتنظيم تتلاعب بتوزيع الدخل الوطني لصالحها، فتحصل على نصيب الأسد. هذا ما يتصل بالعدالة التوزيعية فقط، أي: الحصول على نصيب عادل من دخل الجماعة ومواردها.
هناك نوعان آخران من العدالة: العدالة التعويضية: أي تعويض المواطنين تعويضاً عادلاً عن سوابق هضم الحقوق، التي لا يجيزها العرف أو القانون.
والعدالة التبادلية: أي تحديد السعر العادل في تبادل السلع والمنافع. فإذا ما فقدت العدالة بأشكالها الثلاثة لم يعد للحرية قيمة أو ضمان.
منذ زمن الاغريق، بل منذ زمن آشور وبابل حتى يومنا هذا، لم يفلح الأولون، ولم يفلح الليبراليون في الاتفاق على ما هو عادل في الحالات الثلاث للعدالة. وحتى تنظيرات المحدثين من أمثال راول ونوزيك ومنصور، والتي اتسمت بكثير من السذاجة وغير الواقعية، لم تختلف كثيراً في محصلتها العملية عن الاشتراكية التقليدية وطوباويتها.
على الرغم من إدراك الليبراليين أن الحرية لا تستقيم بغير عدالة، فحسب آدم سميث (في ثروة الأمم)، »ان النظام الطبيعي للحرية« (السوق) لا يمكن أن يعمل من دون نظام للعدالة.
وقد ادرك مفكرو العرب ان القيمة الاجتماعية الاعلى تعطي للعدالة متقدمة على الحرية: »إقامة العدل والحكم بالقسطاس«. ومع الاسف ذهبت دعاواهم ومطالباتهم ادراج الرياح. يبقى القول ان الحرية من غير عدالة مثل حرية عمل الكارمبا وسط الطريق.
والذي يجعل الربط العضوي بين الحرية والعدالة امراً حيوياً هو أن نظام الحكم الحديث المستمد من الديمقراطية التمثيلية، والذي يسّوق لدول العالم المتخلف، وبخاصة لدول المشرق العربي الكبير (المنطقة الجيوسياسية المستهدفة)، يركز القوة الاجتماعية في بيروقراطية الدولة المركزية.
وفي مركز الدولة الحديثة، إلى درجة لم يسبق ان شهدناها في الدول التقليدية عبر التاريخ. وهذا يعطي الأفضلية لمن يملك الثروة، ولمن يملك التنظيم، بشكل يتناقض مع الديمقراطية، بل هو كما يقول جون دون: نفي للديمقراطية.
الديمقراطية والتنمية
ان ما نطلق عليه تورية الرأسمالية الافتراسية هو شكل من اشكال البربرية، ولكن بابعادها الاجتماعية ــ الاقتصادية، أي:
العنف الاجتماعي المتمثل بتجريد المواطنين من آدميتهم بجعلهم ضحايا للحاجة والعوز، وهدر كرامتهم بجعلهم عرضة للاستغلال اللاإنساني، ضحايا إعصار كاترينا، والعراق تحت الاحتلال، والغرب أثناء الكساد العظيم صور مختلفة، للرأسمالية الافتراسية وقواها الباطشة.
وما كان للرأسمالية الافتراسية أن تستمر وتزدهر لو لم تلجأ دول أوروبا القارية أولاً، ثم موطن الرأسمالية الافتراسية في العالم الانكلو أميركي لاحقاً، إلى سياسات الرعاية الاجتماعية منذ العشرينات من القرن العشرين.
ولكن الشركات الاحتكارية الكبرى، عجلة العولمة، وماكنة الإمبراطورية، تريد أن تستغل الانفتاح الاقتصادي الحالي، لإضعاف سياسات دولة الرعاية الاجتماعية، بحجة الإصلاح الاقتصادي، وتحت شعار سياسات الخصخصة.
وفي الحقيقة، ليس هناك من بديل في الوقت الحاضر، عن سياسات الرعاية الاجتماعية لتوفير قدر محدود من العدالة الاجتماعية عن طريق تقليل الفوارق الطبقية.
أو التخفيف من وقعها على حياة المواطنين، إن هناك وسائل أخرى غير الخصخصة، لمعالجة اتكالية المواطنين على الدولة. ان السبب الرئيسي لازدهار أيديولوجيا الخصخصة، ليس ضعف انتاجية القطاع العام.
وإنما سوء إدارته وفساد قياداته. فهناك مؤسسات عامة في الغرب أعلى كفاءة وأكثر انتاجية من القطاع الخاص، الذي يفوقه فساداً ويثقله الاحتكار وجشع التلاعب بالأسعار.
وأرجو أن يكون قد اتضح لنا أن الديمقراطية مطلوبة ليس لأنها تساعد على التنمية وتشجع على النمو الاقتصادي. هناك اعتبارات أخرى تجعل الديمقراطية ـــ وليست بالضرورة على النمط الغربي، مطلوبة من حيث المبدأ، سأتحدث عنها في سياق آخر.
فليس هناك أدلة مادية على كون الديمقراطية على النمط الغربي تساعد على التنمية، بل ربما على العكس، ظاهرة نمور آسيا الخمسة جميعها ازدهرت اقتصاداتها في ظل أنظمة الحكم التسلطية منذ السبعينات حتى القرن العشرين.
وبفضل الاستثمارات الغربية المباشرة والمبشرة بالديمقراطية، مما أدى إلى انكشاف هذه الاقتصادات ونظمها المالية إلى خطر مضاربة المغامرين الغربيين.
وقد درس كل من روديك ووازيراغ متوسط معدل النمو الاقتصادي في إحدى وعشرين دولة في السنوات العشر قبل التحول إلى الديمقراطية على النمط الغربي،.
والسنوات العشر بعد التحول الى الديمقراطية، اخترت منها أربع عشرة دولة مدرجة في الجدول رقم (1)، وقد قسمت الى مجموعة الفائزين، أي التي تحسن معدل نموها بعد التحول إلى الديمقراطية، ومجموعة الخاسرين التي انخفض معدل نموها بعد التحول.
المعلومات في هذا الجدول تقدم أقوى دليل على أن الفائزين من الدول قد حققوا معدلات نمو متواضعة بعد التحول إلى الديمقراطية، بينما فشـل التحول في تحسين معدلات النمو الاقتصادي.
وفي المتوسط فإن النمو الاقتصادي يتباطأ بعد التحول إلى الديمقراطية بشكل أكثر جلاء من التحسن مع بعض الاستثناءات القليلة. هذا الاستنتاج يصدق على كل من البرتغال وأسبانيا وهنغاريا ورومانيا، عدا عن الدول التي حققت »نموا« سلبياً.
جدول رقم (1)
متوسط معدل النمو الاقتصادي للسنوات العشر قبل التحول للديمقراطية والسنوات العشر بعد التحول للديمقراطية لعينة من الدول. استراتيجيات التكيّف مع البربرية الاجتماعية
عندما نتكلم عن الغرب ندرك أن الغرب ليس مونوليث ـــ عالماً موحداً. هناك غرب أوروبا القارية، وهناك العالم الإنكلو ــ أميركي، وهناك شرق أوروبا ـــ العالم الطرفي.
وهناك عالم أراضي القلب ـــ الهنترلاند، أي عالم اليوروآسيا. الغرب موحد عسكرياً ـــ سياسياً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقد صمد حتى الآن، على الرغم من محاولات فرنسا ــــ ألمانيا خلق حلف قاري لأوروبا ـــ والتي فشلت.
ولذلك يجسد حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة، الإرادة المشتركة للغرب العدواني البربري، والذي ترتكز عقيدته الاستراتيجية على إخضاع العالم المتخلف لإرادة الغرب، تحت شعار: القضاء على التهديد القادم من العالم الثالث، وبخاصة من العالم الاسلامي ــ وهو العدو المرحلي.
ان أفضل صيغة لاخضاع العالم المتخلف، ويختصره المشرق العربي الكبير هو تعريضه لصيغة: الديمقراطية على النمط الغربي + دولة قومية ذات سيادة منقوصة + رأسمالية افتراسية + يحميها تفوق استراتيجي عسكري وقوة تقنية باطشة.
الخضوع لصيغة الهيمنة هذه جزء من استراتيجيات الدول الضعيفة للتكيف مع عناصر هذه الصيغة بسبب عدم قدرتها على مقاومة ضغوط الغرب وعربدته الامبرالية، والخوف من زعزعة نظامها السياسي والاجتماعي .
والناتج من هذه الاستراتيجيات هو أشكال مختلفة من التهجين، إلصاق أشكال جديدة من الأفكار والتنظيم على الترتيبات الاجتماعية التقليدية.
والتهجين يحدث عندما تستعار أشكال القيم والمعايير الوطنية المنظمة للسلوك والمؤسسة للهوية سواء كان ذلك في ميدان السياسة: الديمقراطية على النمط الغربي المفروضة من الخارج.
والتي يسهل فيها تزوير ارادة المواطنين وإضفاء الشرعية عليها أو في الاقتصاد: سياسات الخصخصة عندما يكون القطاع الخاص عبارة عن احتكارات محلية يملكها زبائن النظام الحاكم، أو في الفكر، كما في تطبيقات العلوم الانسانية على نماذج وعينات مستوردة من الخارج.
ومودات فكرية لاتستجيب لمطامح وتطلعات المواطنين. العولمة لا تعني الخضوع لقوى العولمة التي تحركها مصالح الامبراطورية، وانما المساهمة الايجابية في الثقافة العالمية. ولكن، في واقع الصراع والهيمنة، وكما يقول آميه سيزار بحق: في أي مكان يكون فيه الاستعمار حقيقة واقعة، تبدأ الثقافة الوطنية بالتعفن.
مفكر وعالم اجتماع كويتي