من زمان، لم تعرف الأجواء السياسية العراقية، هبوب رياح توافقية، ولو بالعموميات. دائماً كان طقسها غائماً وسماؤها هادرة بالبرق والرعد. وخاصة منذ وقوع الاحتلال.

حيث صارت اللغة نارية والخطاب الغائياً. الأمر الذي أدى إلى توسيع فجوات الخلاف، كما أدى إلى نسف الكثير من الجسور بين الأطياف السياسية العراقية فساد التباعد وانعدم، تقريباً، التلاقي.

من هنا أخذ المؤتمر التحضيري للوفاق العراقي، المنعقد منذ يومين في القاهرة، أهميته. وأمس، في اليوم الثاني، ازدادت هذه الأهمية عندما استولد المؤتمر شحنة تزخيم ذاتي، تسمح بتوسيع فسحة الأمل.

ـــ ولو مع التحفظ الشديد ـــ بأن تأخذ اللغة المشتركة، التي سادت الجلسات، والتي طغى عليها طابع التوافق وروح التقارب، طريقها إلى الترجمة على الأرض. حتى ولو كانت ترجمة بطيئة. وربما متعثرة. فالمهم أن تنعقد النوايا وتتلاقى حولها.

خلافاً لليوم الأول عند افتتاح المؤتمر، الذي كان مشحوناً بالتوتر والتأزيم وتخللته انسحابات وفود وتراشق بالاتهامات؛ كان اليوم الثاني متميزاً بأجواء واعدة. على الأقل قياساً، بما سبق وفي ضوء الخلفية التي تحكم هذا اللقاء. فلأول مرة تتقاطع الطروحات والمواقف عند عناوين رئيسية مشتركة.

ولأول مرة تطرح مبادرات خارجة عن المألوف، المعمول به، فعندما تتوافق الغالبية على ضرورة إنهاء الاحتلال ـــ ولو من حيث المبدأ ـــ ؛ وعندما تجمع على التفريق بين الإرهاب والمقاومة؛ عندئذٍ تكون قد بدأت ترسم في الأفق خيوط لملمة أشلاء الوضع العراقي.

ويأخذ مثل هذا الاحتمال دفعة إلى الأمام عندما يذهب الرئيس طالباني إلى أبعد من ذلك فيعلن ـــ لأول مرة أيضاً ـــ استعداده للقاء ممثلي »المسلحين« وبحضور مسؤول عربي رفيع يعتزم زيارة العراق قريباً. فمثل هذا الأمر كان خارج التصور، فيما مضى؛ ناهيك بالطرح. وبالتالي، عندما يبادر المسؤول العراقي الأول إلى طرحه.

ومن دون أن يعترض عليه أحد من الأطراف الأخرى؛ عندئذٍ يكون الوضع العراقي قد دخل في طور جديد، تحكمه اعتبارات جديدة ومختلفة؛ قد تشكل المدخل إلى الانتقال من التعويل على الحل الأمني إلى التعويل، أو على الأقل إلى طرق باب، الحل السياسي.

ترافق مع هذه الأجواء وصب في مجراها دعوة وزير الداخلية العراقي إلى »تحريم قتل العراقيين«؛ وكذلك دعوة أطلقها جمع من الأساتذة وأهل السياسة العراقيين إلى »إسكات البنادق«.

صحيح أن هذا الخطاب والطرح الجديدين، يندرجان في خانة العموميات التي لا تتصل بالتفاصيل، موضوع الخلافات الحقيقية بين القوى العراقية لكن الصحيح أيضاً أنها خروج على المألوف وأنها صدرت في إطار مؤتمر جامع هو الأول من نوعه، وانعقد تحت غطاء إقليمي دولي يشكل الضمانة والشاهد.

تطور يستحق الترحيب والتشجيع. اللهم إلا إذا كانت روح التوافق هذه قد هبطت على المؤتمر لعلة في نفس يعقوب وليس في نفوس أصحابها!