ليس من الحكمة أبدا القفز على النتائج وترك الأسباب، فمؤتمر الوفاق الوطني العراقي بالقاهرة وهو يدخل يومه الثاني، عكس بصورة جلية وواضحة التناقضات العميقة بين العراقيين، إضافة إلى التداخلات الخارجية التي تسعى إلى الاستئثار بحصة في الساحة العراقية، ليس حاليا فقط بل ومستقبلا.
لا خلاف على أن هناك غاية نبيلة من وراء عقد هذا المؤتمر وحتى لا ينزلق العراق إلى هاوية الاحتراب الداخلي بين مكونات شعبه، أو بين أطيافه السياسية بعد أن كانت هذه الدولة تمثل أقوى دعامة عسكرية واقتصادية للأمة العربية على مدى عقود.
وتأسيسا على ذلك فاننا نرى أن الخروج على قواعد السلوك التي اتسمت بها الجلسة الأولى للمؤتمر وبروز الخلافات والتراشق الكلامي، هما حالة عادية، وإن كانت المناقشات أعادتنا إلى الخطاب الإعلامي في أواسط الستينيات والاتهامات بالخيانة والعمالة، فإن ما جرى لغاية الآن يدعو إلى التفاؤل الحذر بشأن إمكانية التوصل إلى حالة من التهدئة السياسية على قاعدة التوافق بشأن ثوابت المرحلة المقبلة والعمل بموجبها لتجنب كل ما من شأنه تعقيد الصراع، الأمر الذي سيفتح الأبواب أمام ما لا تحمد عقباه، خاصة ان المنطقة في غنى عن زيادة أزماتها.
فالأزمة العراقية صعبة وشائكة، ولكنها ليست مستعصية على الحل، وعلى هذا فاننا نرى ان مؤتمر الوفاق في يوميه الماضيين استطاع ان يذيب جبل الجليد بين «الاخوة الأعداء»، وأن يعيد الثقة التي كانت مهزوزة بين التيارات السياسية المتعددة المذاهب والأعراق وخاصة بين السنة من جانب والشيعة والأكراد من جانب آخر «مع رفضنا لهذا التوصيف»، وخاصة في مسألة كانت في غاية الأهمية والخطورة وهي التي تتعلق بمشروعية مقاومة قوات الاحتلال الامريكي، وان برز بعض التعارض حول الجدول الزمني لانسحاب هذه القوات من العراق.
ولعل من الأهمية الآن ان تتضافر جهود كافة الفرقاء على متطلبات المرحلة المقبلة، والتوافق حول الصيغة التى تكفل وحدة العراق ارضا وشعبا على قاعدة الربط بين أجندة العملية السياسية وأجندة الانسحاب الأجنبي، وهذا هو الخيار الوحيد لتحقيق الصيغة المتوازنة للعراق الجديد.