وظيفة أي رئيس أميركي، لا تقتصر على خطط حربية وسياسية مقيدة بشروط معينة فقط، وإنما يعمل مثل رئيس غرفة تجارية لتسويق منتجات بلده الصناعية والزراعية، والرئيس بوش لا يعد استثناءً، وإن كانت وظيفته كمبشر بسياسات جديدة، تعد ظاهرة، أو تقليعة تشابه صرعات أي منتج أمريكي ينتشر عالمياً، إلا أن موضوع السياسات الداخلية لكل بلد لا يخضع لمثل هذه الوصايا والتعليمات، ولذلك شاهدنا معظم مواقع العالم الحساسة التي يزورها الرئيس الأمريكي بشكل ودي، أو افتعال معركة سياسية، يواجه بردود أفعال سلبية، وهذا ما حدث في مؤتمر أمريكا الجنوبية والوسطى، وزيارته الآسيوية عندما تظاهرت شعوب تلك البلدان ضد المشاريع الأمريكية وتحركها المخالف لأفكار وطروحات تلك الدول..
في منطقتنا دعا بوش إلى شرق أوسط كبير، وهي صيغة قد لا تجد النجاح وحاول حشد الجنوب الأمريكي في اتجاه الدولة العظمى، خشية تغلغل الصين بها، وجاء لآسيا ليفصّل لهم ثوب ديمقراطية جاهزة، مع أن تجارب تلك الشعوب، حتى في تطبيقاتها الديمقراطية، تختلف عن الغرب، لأنها نموذج مغاير في الطبيعة والمكوّنات الاجتماعية، ومع ذلك فأمريكا ورئيسها ينطلقان من فكر خاص بهما، يحدد مصالحهما على الخارطة الدولية، غير أن الحقائق في هذا الشأن، مختلفة تماماً عن النهج السياسي، الأمريكي، وإن تلاقت بعض المصالح في الاتجاه الواحد، والسعي إلى فصل بعض السياسات عن بعضها..
الغريب أن أمريكا، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تتعايش بسلام مع العالم، فقد قوضت خصمها السوفياتي من خلال نموذجه الذي لا يقبل التطبيق، ثم شرعت في حروب عسكرية مع مناطق عالمية، لتؤكد أن قوتها العسكرية هي ذراعها الممتدة على رقاب النظم المخالفة لها، وحتى الحليف الأوروبي جعلته منقسماً إلى معسكر قديم، تهيمن عليه تقاليد بعيدة عن مبادرات التطور، وهي تعني البلدان التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي، والأخرى الخارجة من الدائرة الشيوعية، والحديثة النهج والتطور، غير أن معركتها الأكبر، بدأت الآن وإن جاءت بحذر، مع العملاقين الآسيويين الصين والهند، وإن لم تغفل العملاق الروسي النائم، وهذه تحتاج إلى منظور مختلف لأن سرعة التطور في الصين والهند، واحتلالهما أسواقاً عالمية كانت مغلقة، هما اللذان أضاءا الإشارة الحمراء، لمستقبل لا ندري إلى أي مسار يتجه، ولكنه في الغالب لن يكون حليفاً لأمريكا..