بدا الخطاب المعارض لقانون الأحوال الشخصية في البحرين ذا دلالات سوسيولوجية مهمة ليس فقط من حيث كونه يمثل الجماعة المعارضة سياسياً وتحديداً بعض أجنحة الإسلام السياسي.

وإنما من حيث المكونات الفكرية ولربما الأيديولوجية لهذا الخطاب الذي بدا في بعض أطروحاته متقاطعا مع الأطروحات والتكتيكات والمقولات الكبرى السائدة في الوسط السياسي العربي.

وأعتقد أن المشهد القائم الآن يحمل الكثير من الدلالات والرمزيات، أولها ان القائمين على الجماعة المعارضة لقانون الأحوال الشخصية قد تبنوا مدخلاً على درجة كبيرة من الأهمية من حيث إنه كتكتيك سياسي يحمل مجموعة من الدلالات كما هي المصاحبات السوسيو ــ سياسية.

فإضعاف الطرف الآخر قد استلزم منها أن يكون موقفها أولاً ذا ارتباط بالدين الإسلامي، إذ بدت معارضتها للقانون المقترح، انما هي معارضة لقانون يحكم بغير ما شرع الله، وبالتالي فالمعارضة هنا إنما هي معارضة لقانون، كما يقولون يتنافى والشريعة الإلهية.

إن مؤشرات ودلالات ذلك تبدو كثيرة، تبدأ أولا من مضمون اللافتات المرفوعة قبل وأثناء المسيرة التي نظمت للتعبير عن حجم التيار المعارض للقانون كما هي تتمثل بشكل كبير في رمزية أن يتقدم المصحف الشريف هذه المسيرة.

فهل حقا أن القانون المقترح يعمل أو ينص بغير ما شرع الله سبحانه، أم أن الموقف يدخل في أطر التكتيكات السياسية لإضعاف الطرف الآخر، ويتم ذلك بنزع عامل القوة المستمدة من الدين ونسبها إليك أنت المدافع عن الإسلام والشريعة الإلهية.

واعتمادا على حقيقة ان الأكثرية لن تدقق في محتوى الخطاب وإستراتيجيته وأن كرزمية الرموز الدينية الكبيرة المعارضة للقانون سيدفع الجماهير للخروج وبغزارة في تأييدها للموقف المعارض، كما حدث ذلك يوم المسيرة الجماهيرية الأربعاء الماضي، بل ان التأثير قد يذهب عبر وسائط متعددة إلى أبعد من ذلك.

انه قد يدفع بعض شخوص الاعتدال والرافضة للموقف المعارض للقانون، إلى إعادة تحديد موقفها ليبدو وكأنه مساير للموقف العام المعارض وليس مناقضا له حفاظا كما يقولون، على وحدة الكلمة والجماعة.

وهي حالة تزخر في أوساط الكثير من الجماعات العربية التي تشكل الايديولوجيا مركبا ومعيارا أساسيا في عملية تحديد الموقف من الآخر والقضايا ولربما الأشخاص والسلطات والدول.

أما الدلالة الأخرى لمعارضة القانون فهي تتمثل في قدرة الإسلام السياسي الشيعي برموزه الدينو ــ سياسية في استمرارها احتكار الشارع والقدرة على تعبئته والتأثير فيه، أي الشارع السياسي الشيعي تحديدا، وهو الشارع المحتقن والقابل للاستثارة ولربما للاستجابة لأي سبب من الأسباب: الرئيسية منها كما هي الثانوية.

أما الدلالة السوسيو ــ سيكولوجية الأخرى فهي حالة ليست قصرا على فئة دون أخرى، بل انها تمثل حالة سياسية ــ ثقافية عربية عامة، حالة تمتزج فيها الايديولوجيا بالثقافة السياسية والحالة السيكولوجية.

والتي أفرزت نمطا من السلوك والممارسة العربية أقل ما يقال عنها إنها حالة توصم بالتردد والخوف من اتخاذ القرار وتحمل تبعاته، لذا فهي تلجأ عوضا عن ذلك لإعاقة أي تغيير قادم إن لم تجد فيه كامل المصلحة أو إن لم ينسجم مع كل شروط الثقافة السياسية السائدة.

وهي إعاقة عايشنا كل مصاحباتها في مواقف وحالات أخرى، لا أعتقد أنها ستكون ذات فائدة لكل الناس والأفراد والأسر أو بالأحرى للمجتمع بكل قطاعاته. وعموما فإن تبني الموقف الرافض أسهل كثيرا من القبول بالحل والعمل على تصحيح مسالكه ومساراته.

إن مجتمعاتنا بحاجة، أكثر من غيرها، لإعادة التفكير في الكثير من مقولات الرفض العربية الكبرى والتي لم تجد نفعا في بلاد وأوطان العرب لأكثر من ستة عقود من الزمان، إنها بحاجة للاندماج في مشاريع السلطة وتشكيل قراراتها من الداخل.

فثقافة وسياسة رفض الاندماج في مشاريع الدولة خلقت في أوساط البعض من جماعاتنا الاجتماعية والسياسية ثقافة اللامبالاة وجعلت من مزاجهم وموقفهم السياسي العام قابلا للاستثارة لأي الأسباب.

فهل يكون في المطالبة بعقلنة وترشيد السلوك السياسي أمر مستحيل أو مذموم. إن الصالح العام يتطلب قدرا من الحوار المتبادل ، ذلك الحوار الذي يقود إلى محطات وسطى بين الأطراف المختلفة. والله من وراء القصد.

كاتب بحريني