شاءت الظروف ان أشاهد ندوة على إحدى القنوات الفضائية، كان موضوعها مهماً للغاية، حيث يدور حول الضغوط الدولية التي تتعرض لها دمشق، على خلفية قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

توقعت رؤية تحليل موضوعي للأحداث والوقائع التي تجرى، واستشراف معمق للمستقبل، وحلول يمكن ان تستفيد منها دمشق، للخروج من هذا المأزق الذي ، يهدد خريطتها السياسية، لاسيما وان المشاركين في الندوة، من ذوى الثقافة العالية والفكر المرتب والخلفية الإيديولوجية القوية التي تمنحهم قدرة على التعبير والقراءة الصحيحة للأمور.

لكن ما حدث كان العكس، إذ تحولت الندوة إلى ما يشبه حفل مضاربة لمن يمدح أكثر وينظم جملا بلاغية رنانة لا تحمل مضمونا أو تقدم تفسيرا لما حدث، مثل تطورات ما بعد اغتيال الحريري، الذي استنكر البعض هذا الاهتمام الدولي به، في حين ملفات اغتيال أخرى في المنطقة العربية لم تفتح ولا يجرؤ احد على الاقتراب منها.

بلا شك ان الاهتمام بالتحقيق في اغتيال الحريري، لا يحتاج إلى مثل هذه الأسئلة الاستنكارية، بل يجب ان يكون موضع تقدير، لأنه حتى إذا أتيح لنا معرفة تفاصيل وخلفيات قضية واحدة من تلك القضايا العديدة، التي تحتاج إلى إجابات في عالمنا العربي، فلم لا ولم الغضب؟

طالما ان سوريا نفسها وهى صاحبة شأن في هذه القضية -على اعتبار ان أسماء عدد من مسؤوليها وردوا في تقرير لجنة ميليس- أعلنت عن استعدادها للتعاون في التحقيقات إلى ان تظهر الحقيقة.

وعلى شاكلة السؤال الاستنكاري السابق، استنكف هؤلاء المثقفون أيضا إصرار لبنان على المطالبة بترسيم حدوده مع سوريا، رغم ان سوريا لم تغضب، لأنها تدرك مثل الكثيرين في هذا العالم، ان هذا الأمر حق مشروع لكل دولة، وتحرص على تحقيقه لكى تعرف ما لها وما عليها، وإلا أصبحت الأمور مفتوحة على سيناريوهات صراع لا يمكن ان تنتهي ابدا.

هؤلاء المثقفون، مثلهم مثل آخرين ذهبوا إلى دمشق، بهدف إعلان التضامن معها والوقوف إلى جانبها، وهذا أمر لا يمكن الاختلاف عليه، لكن ما نتوقف عنده حقا، ونرى انه غير منطقي أبدا، هو قولهم إنهم بحثوا سبل تحفيز الشارع العربي لمواجهة الضغوط والتحديات المتزايدة على سوريا.

سبب اعتراضنا على ذلك هو ان هؤلاء المثقفين، يتحدثون وكأنهم الناطق الرسمي باسم هذا الشارع، رغم إنهم قبل غيرهم يدركون انعدام وجودهم وثأثيرهم، الذي لا يتعدى حدود الغرف المغلقة التي يتحدثون منها او يكتبون فيها.

ثم عن أي شارع يتحدثون ؟ هل يقصدون الشارع الذي حُرم من بعض أنظمته من النزول إليه للتعبير عن قضاياه ومشاكله والاحتجاج على الظلم الاقتصادي والاجتماعي الذي يعانيه ؟ ألم يعرفوا بعد ان هذا الشارع غير مصرح له بالتظاهر أو الاحتجاج أو الإضراب.

وهى أمور تدخل ضمن قائمة »الحرام السياسي« المطالب بعدم الاقتراب منها حتى لا ينزل به العقاب.؟

الم تعرفوا أيضاً، ان هذا الشارع لن يتحرك للدفاع عن احد، قبل ان تتاح له فرصة الحركة للدفاع عن قضاياه اليومية وهمومه وحقوقه المسلوبة وحريته المصادرة وأفكاره ومعتقداته وخياراته السياسية الملاحقة من قبل أجهزة الأمن؟

ان هؤلاء المثقفين ليسوا أكثر من تجار بضاعتهم الفكر، ويتفننون في الترويج لها وقت الأزمات، لكن بضاعتهم هذه مضللة وتضر أكثر مما تنفع، لأنها تعطي صورة كلية كاذبة، لا تخدم صانع القرار، الذي يحتاج إلى آراء صادقة .

وموضوعية وشفافة، يمكن الاعتماد عليها في الحكم على الأمور واتخاذ القرارات الصائبة تجاهها.. كان أجدر بهؤلاء المثقفين، ان يقدموا إلى سوريا، نصائح بكيفية التعامل والتعاون مع لجنة ميليس، بدلا من دفعها إلى حائط مسدود يجعلها وحدها تدفع الثمن.