إننا نواجه بشراً ليسوا كالبشر، بلغت بهم ضراوة العداء، أنهم يفجرون أنفسهم لقتل غيرهم ويعتقدون أنه طريقهم للجنة، لقد ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!!
وإلا هل من تفسير لفعلة هؤلاء الشياطين الذين حضروا من العراق بهدف تفجير أنفسهم في ثلاثة من الفنادق الكبرى في العاصمة الأردنية؟! وهل من تبرير لفعلة ذلك الانتحاري الذي أختار ان يفجر نفسه في عمال بسطاء يتناولون إفطارهم البسيط في مطعم شعبي وسط بغداد؟!
هل من دافع مقبول ان يستهدف من يسمون أنفسهم (مقاومة وطنية) محطات الركاب والمطاعم الشعبية والأسواق والمساجد؟! هل من سبب مقنع لاستهداف أناس في مجالس العزاء والحسينيات والمزارات والمستشفيات؟!
لقد فجر احد الانتحاريين الأربعة نفسه بحزام ناسف في حفل زواج مزدحم بالحضور في فندق (راديسون ساس) ففرقهم أشلاء. هل هؤلاء بشر؟! الانتحارية ساجدة التي لم ينفجر حزامها ظهرت على الشاشة معترفة لا أثر لندم، لا تأثر لا حزن، لا ألم، لا دموع، تقول انها مصرة على محاربة الكفار والمرتدين!!
وكانت من المصادفات المؤلمة ان إبنة العقاد ـ المخرج العالمي ـ قد وصلت تواً إلى بهو الفندق لملاقاة أبيها فكان الانفجار المروع الذي أودى بها مع بقية الموجودين في الفرح الحزين.
وفجع الأب في ابنته بعد أن أصيب، ولم يصمد إلا يوماً، وغادر دنيانا، حزيناً على حال أمته التي أخلص لها، أهكذا يذهب دم العقاد هدراً؟! هذا الذي وهب نفسه لخدمة قضايا أمته، وخدم الإسلام كما لم يفعل كثير من دعاته، بفيلمه العالمي (الرسالة) عام 1976.
حيث نجح بتوظيف ذكي للتاريخ في عمل سينمائي رائع وبموضوعية جميلة أن يقدم صورة حية جميلة عن الإسلام للعالم الغربي، ثم قدم (عمر المختار) رمزاً للكفاح والبسالة والنبل.
وكان يسعى حالماً لتقديم فيلمين (الأندلس) اعتزازاً بأمجاد العرب و (صلاح الدين) موحداً للشعوب العربية ضد العدو. لقد اغتالوا الحلم والأمل، فهل ندع يد الإرهاب الآثمة تغتال رموزنا المضيئة؟! ماذا أصاب العرب؟ وماذا ينتظرون؟
نحن لا ننكر أن عمليات التفجير والانتحار تحدث لدى كل الشعوب، لأسباب عديدة، وكان هذا النوع من الانتحار العبثي والتفجير الوحشي لم يعهده العالم إلا عندنا.
إلى متى نترك الإرهاب يعبث في أرضنا؟! إلى متى يسلب أرواح الأبرياء؟! إلى متى نلوم ونتهم الآخرين؟! إلى متى نستمر في تبرير أفعال هؤلاء الآثمين؟! متى نتحمل مسؤولياتنا؟!
لقد قال عز وجل في محكم كتابه (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) فمتى نبدأ التغيير الحقيقي نحو مشروع قومي لمحاربة الإرهاب؟ متى نبدأ حربنا الفكرية والثقافية والتعليمية والإعلامية والدينية لاجتثاث الإرهاب؟
لقد قال ملك الأردن: »لن نتساهل مع الفكر التكفيري.
ومع من يبرر أو يتعاطف أو يدعم الإرهاب« وقادة السعودية والخليج ـ من قبل ـ قالوا مثل قوله.ولكن ما العمل مع الساحة الشعبية المتقبلة للطرح الأصولي المتشدد؟، تلك الساحة التي هي البيئة الخصبة لتفريخ التطرف واحتضان خلايا الإرهاب.
كيف نترجم هذه الأقوال ــــ للملوك والقادة ـــ إلى برامج وخطط عمل تؤدي إلى استئصال الفكر العنيف؟!
المواجهة الأمنية لا تكفي والاتفاقيات الأمنية لا تجدي والأقلام والكتاب والصحف والفضائيات تمجد ما يفعله الإرهابيون في العراق وتسميه (مقاومة) و(جهاداً)!! لقد أصدر مجلس الأمن ـــ من قبل ـــ قراراً تاريخياً (1624) وبمشهد من قادة (160) دولة حضروا قمة العالم بنيويورك، (بتجريم التحريض).
ودعا دول العالم إلى اتخاذ خطوات عملية لمنع التحريض في مجالات التعليم والثقافة والمؤسسات الدينية، ولكننا لم نفعل القرار بعد!! فما زالت دعوات التحريض نشطة بيننا!! وما زال أئمة التحريض يسرحون ويمرحون في مأمن من المساءلة!!
(القائمة السوداء) التي قدمها ثلاثة آلاف مثقف عربي إلى الأمم المتحدة ــــ فبراير 2005 ـــ والتي تضمنت أسماء مشايخ وفقهاء التحريض في العالم العربي والتي على اثرها اتخذ مجلس الأمن قراره، لم تتخذ الدول العربية أي إجراء ضدهم!! بل ازدادوا نفوذاً وتسلطاً!! وازدادوا ثراء وغنى!! وكسبوا مزيداً من الأنصار والمريدين!!.
مازالت (ثقافة التبرير) راسخة الجذور في الأرض العربية، وهناك كتاب وأقلام وفضائيات ترتزق بها، وبحسب قراءة الكاتب السعودي (مشاري الذايدي) لاستطلاع مؤسسة زغبي العالمية للشارع العربي، فإن هذا الشارع في حالة ولع وغرام بالأصولية والحلول العدمية، وعنده شعور متنام بالكراهية والارتياب ورغبة مظلمة بالردة عن العصر.
الخطب المنبرية والمشاهد التلفزيونية تحرض أبناءنا على (ثقافة الذبح) وبعض الكتب التراثية المتداولة تحمل قنابل اسمها (ثقافة الكراهية) هل تصدقون ذلك الصحافي الذي اعتاد الظهور في الفضائيات العربية أنه لا يزال يبرر للقاعدة ضربها فنادق الأردن لأنها اقتربت من إسرائيل!!
هل سمعتم بالقاضي الذي حكم بسجن معلم ثلاث سنوات وبأن يجلد خمسين جلدة أسبوعياً، علانية أمام طلابه لأنه تكلم عن اللحية على غير هوى القاضي؟! هل قرأتم ما كتبته (بدرية البشر) الكاتبة السعودية تخيل أنك امرأة وتتعرض للتحرش أو الضرب أو القتل.
وحين تنشر الصحف صوراً له وصور المجرمين وتوحشهم، يظل هناك من يسأل، هل كانت الضحية متسترة أم لا؟! وإن كانت متسترة (وش، اللي خلاها تطلع من البيت)؟! وإن كان زوجك من هشم ضلوعك فلا بد أن هناك سبباً دعاه إلى ذلك؟! ـــ الشرق الأوسط 9/10 .
لا يمكن أن ننتصر في معركة استئصال الإرهاب الأسود إلا باستنفار جميع الجهود وحشد كل الطاقات، لا بد من استراتيجية عربية شاملة وتعاون عربي وإقليمي.
ودولي ليس على المستوى العسكري والأمني فحسب بل على المستوى السياسي والثقافي والتعليمي والفكري والإعلامي، يجب تفعيل قرار مجلس الأمن، يجب مساءلة المحرضين ومواجهة المبررين وضبط المنابر وترشيد الإعلام وتطوير التعليم.
كاتب قطري