كانت ثالثة المتحدثين في «مؤتمر أبوظبي للقيادات العالمية 2005» الذي انعقد في قصر الإمارات يوم الثلاثاء الماضي. «بنازير بوتو» رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة وأول وأصغر رئيسة وزراء لدولة إسلامية في العصر الحديث. يتردد دوماً أنها من المتحدثات اللاتي تستحوذ كلماتهن وخطبهن على الانتباه وبدت هذه الموهبة لديها كأوضح ما يكون في هذا المؤتمر. تحدثت بوتو بحماس شدت به انتباه الحضور عن تجربتها الشخصية ومدى تأثرها البالغ بوالدها ذي الفقار علي بوتو وبالحياة الغربية التي عاشت فيها لسنوات طويلة من عمرها والتحديات التي واجهتها في حياتها السياسية.
بدى واضحاً أن والدها كان الملهم الحقيقي لما وصلت إليه بوتو والمؤثر الأكبر في حياتها وتفكيرها. في القيادة هناك مبدأ أثبته التاريخ بأن القائد لا يتشكل من تلقاء نفسه، القادة لا يصنعون أنفسهم،المجتمعات هي التي تصنعهم والآخرون هم الذين يمهدون الطريق لظهورهم ولإبرازهم. وهذا بالضبط ما حدث لهذه المرأة التي كانت تراقب والدها يوم كانت صغيرة وهو يقف كالجبل في وجه التحديات ويخلق لها الفرص لتتقوى وتبني شخصية مختلفة عما تفرضه المجتمعات المتخلفة.
كانت البدايات يوم كان عمرها صغيراً وغرس فيها روح الإصلاح الاجتماعي ومفاهيم العدالة الاجتماعية وسط الفروقات التي كانت تسجلها عيناها وهما ترصدان في باكستان وجود الفقراء المعدمين إلى جانب الأثرياء المرفهين.
واستوعبت منه الدرس الأول وهي في سن الثالثة عشرة عندما سمح لها بأن تخلع «البرقع» الذي يلف الجسد من قمة الرأس إلى أخمص القدم كما يفرضه المجتمع الباكستاني على أية فتاة مراهقة. تقول بوتو إنها لبست هذا البرقع وهي في ريعان الصبا ولم تكن ترى الأشياء بوضوح من خلفه، كان العالم يبدو من ورائه مخنوقا وكل الأشياء اصطبغت في عينيها باللون الرمادي. وهي ملتفة بالسواد قال لها والدها بأنه يؤمن بأن التحفظ والغطاء والستر هو في العين والقلب وليس في الجسد. آمنت يومها بأن أباها ليس بالشخص العادي ولا يرى الأمور بسطحية كما يراها الآخرون.
وأعطى لها الدرس اللاحق يوم وقف متحديا كل العادات الاجتماعية ومصرا على أن يبتعث ابنته للدراسة في الخارج وإلى دولة أجنبية. تقول بوتو بأن الأسرة كلها والنساء جميعهن انقلبن على والدها مذكرين إياه بأن طريق الأنثى معروف ولا جدال حوله وأن مكانها الطبيعي ومساهمتها المتوقعة في المجتمع هو زواجها ووقوفها خلف أسرتها وزوجها. رأت أباها في تلك الفترة واقفا كالصخرة مصمماً على إرسالها للخارج ومتحديا الآخرين بكل ما أوتي من قوة.
والتحقت بوتو عام 1969 بجامعة هارفارد وهي في السادسة عشرة من عمرها. تقول ذهبت إلى عالم لا يعرفني فيه أحد أنا التي ترعرعت وسط رقابة دائمة من مجتمعي لأنني ابنة ذي الفقار علي بوتو. في أميركا، تقول، قمت بكل الأمور اليومية لوحدي، غسلت وطبخت وكنست ودرست واهتممت بأموري كلها دون مساعدة من أحد. وهي في ذلك العمر وجدت نفسها في يوم في قلب مظاهرة مع بقية الطلاب في الشوارع ضد الحرب على فيتنام رغم أن السياسة لم تشغل بالها ولم تكن هاجسها إلا أنها شعرت بقوة بعدم عدالة تلك الحرب.
في ذلك الوقت من تواجد بوتو في هارفارد كانت حركات تحرير المرأة والمطالبة بدورها الفعال في المجتمع قد بدأت. وفي ذلك الوقت كان المناضل مارتن لوثر كنج قد بدأ الدفاع عن حقوق الأميركيين السود من أصول افريقية وروبرت كندي بدأ مسيرته في الدفاع عن حقوق المحرومين في أميركا. تواجدت بوتو هناك يوم بزوغ فجر الحقوق المدنية والمبادئ والقيم التي تدعو للسلم وتناهض العنف. ولولا إصرار أبيها على سفرها لما شهدت بوتو كل هذه التحولات التي جعلت نظرتها للعالم تأخذ مجرى مختلفا.
بعد أن أنهت دراستها في جامعة هارفارد التحقت بجامعة اكسفورد ووقتها تم اختيار أبيها وتعيينه رئيسا لوزراء باكستان كان حريصا على تقديمها وتعريفها على شخصيات قيادية سياسية. ففي إحدى زياراتها لبلدها يوم كانت طالبة حرص والدها اشد الحرص على أن تلتقي بمارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في ذلك الوقت، الأمر الذي دبر له بحيث قدم دعوة لتاتشر لزيارة باكستان تتوافق زمنيا مع زيارة ابنته لتلتقيا.
أرادها أن تجتمع إلى نساء قياديات وأن تراهن عن قرب وتحتك بهن وجها لوجه. جلست بوتو مع تاتشر وتحدثت معها وتعرفت عليها عن قرب، الأمر الذي جعل تاتشر توجه دعوة لبوتو في لندن لحضور البرلمان البريطاني وهناك دخلت رسميا إلى عالم السياسة.
هكذا يخطط القادة الحقيقيون وهكذا يمهدون الطريق ويخلقون الظروف لقادة آخرين. من هنا تشكلت إرادة بنازير بوتو القوية ومن هنا عملت على أن ترشح نفسها لرئاسة الوزراء في باكستان عام 1988 وتفوز رغم كل المحاولات المناهضة لها خاصة لكونها امرأة وعادت لترشح نفسها مرة أخرى للمنصب نفسه في عام 1993 وتفوز للمرة الثانية. هي التي قادت بلادها وواجهت العديد من المشكلات الاجتماعية والتعليمية والصحية قبل دخول الحياة السياسية في بلادها في مرحلة الاحتقان إلى أن سقطت حكومتها في عام 1990.
هي التي لم تخطر لها السياسة على بال وجدت نفسها في قلب المعترك السياسي. هي النظرة البعيدة للقائد الحقيقي ذي الفقار علي بوتو الذي ارتفع ببصيرته إلى نظرات أعمق وسعى لبناء شخصية قيادية جديدة تعدت بروحها الحدود العادية. بنازير بوتو اليوم شخصية قيادية من الدرجة الأولى. امرأة تتعلم منها النساء الأخريات معنى أن يكن قائدات ومؤثرات في حياتهن ومجتمعاتهن وفي تاريخ الإنسانية ومستقبلها.
في خطابها الذي ألقته في مؤتمر قادة العالم حددت بوتو عناصر القيادة في الرؤية والحكمة والشجاعة والتضحية والثبات على الموقف. قالت: لقد تعلمت القدرة على التغلب على المخاوف واتخاذ القرارات الجريئة وعدم التراجع إطلاقا وإن بدت الأمور مستحيلة في حينها.. أن تكون قائدا ناجحا هو أن تمضي لأبعد مدى وأن تثبت قدرتك ونجاحك لنفسك وللآخرين.
Heyamm@albayan.ae
مديرة إدارة التطوير ـ البيان