»حتى لو صح أن الولايات المتحدة تريد نشر الديمقراطية في العالم العربي فإن العرب يريدون أيضاً العدل ونهاية منصفة وسلمية ومشرفة لعقود من الاحتلال والخداع والفساد وتوقف أميركا عن خلق ودعم دكتاتوريات«.

هذه فقرة من الكتاب الذي أصدره الصحافي البريطاني روبرت فيسك ملخصاً رؤيته المهنية تجاه الشرق الأوسط من خلال ثلاثين عاماً كرسها لعمله كمراسل إخباري لصحيفتي »التايمز« و »الاندبندنت« اللندنيتين وككاتب صحافي محترف.

سيرة فيسك المهنية تغري بطرح تساؤل من منظور عربي: ما الذي يجعل مراسلاً إخبارياً وكاتباً محترفاً غربياً يتوخى في رواياته للأخبار، النزاهة والحيدة فيتحاشى التحريف والتلفيق بقدر ما يتوخى الشجاعة والأمانة في التحليل والرأي؟

إذا قلنا إن الإجابة هي الكفاءة المهنية فإن هذا لا يكفي. ان الإجابة الكاملة هي ان يتمتع الى جانب الكفاءة والحب المهني لإتقان العمل بذلك العنصر الفريد النادر في الإعلام المهني العالمي الذي نطلق عليه ايجازاً عبارة »الأخلاق«.

لكن التساؤل يفرز تساؤلاً: ماذا نقول عن كتاب صحافيين وإعلاميين عرب ينهجون نهجاً مهنياً مناقضاً تماماً لنهج روبرت فيسك، بينما هم من المفترض ان يكونوا منتمين الى الأمة العربية والأمة الإسلامية؟

الإجابة على هذا التساؤل تكاد تكون تلقائية: إنهم ببساطة أفراد بلا أخلاق، لا بالمعيار المهني ولا بالمعيار الشخصي. من أجل عمله الإخباري استقر فيسك في أفغانستان ولبنان والعراق وإيران والجزائر بالإضافة إلى أسفاره السريعة والوقتية إلى بؤر أحداث في أماكن أخرى في الشرق الأوسط.

ولأن رواياته الإخبارية كانت ولا تزال تفضح بصورة غير مباشرة ما يذاع وينشر من روايات انحيازية في العديد من »الميديا« الغربية، خاصة الأميركية، فإن فيسك استحق »بجدارة« غضب الإدارات الأميركية والسياسيين الإسرائيليين بقدر ما استحق كراهيتهم الشخصية له بسبب مقالاته التحليلية، لكن رسائله الإخبارية ومقالاته التحليلية خلقت له جمهوراً كبيراً في بريطانيا.

والتساؤل لا يتوقف: إذا كان الأمر كذلك فما الذي يدعو قسما الكتاب والإعلاميين العرب إلى التعامل المهني مع قضايا العرب والمسلمين من المنظور الأميركي والإسرائيلي.

بعضهم مستأجرون، وبعضهم متطوعون على أمل أن يحظوا يوماً ما بمن يستأجرهم. وفي أي من الحالين فإنهم قطعاً من الذين خفت موازينهم من الخلق القويم.

إنهم يستشعرون فرحة شيطانية كلما حلت كارثة بالعرب والمسلمين بقدر ما يستشعرون جزعاً وارتعاباً كلما تحقق نصر ـــ أي نصر حتى لو كان رمزياً ـــ يرفع من شأن الأمة العربية والأمة الإسلامية.

إنني شخصياً كلما طالعت مقالة لروبرت فيسك غمرني شعور بأني أمام عملاق، وكلما طالعت مقالاً لأولئك الساقطين من الكتاب العرب تملكتني رغبة بعدم مواصلة القراءة، فما بين السطور يوحي إليّ بأنني إزاء قزم.