يتحدث المسؤولون الأميركيون عن القرار 1636، ومدى تعاون سورية مع لجنة التحقيق الدولية وكأنهم خارج هذا العالم، رغم أن الجميع يعرفون أنهم على دراية بتفاصيل تعاون سورية من أوله إلى آخره.

ولأنهم لا يريدون قول الحقيقة والتعامل معها بدؤوا منذ الأيام الأولى لصدور القرار المذكور بالإعداد لفرض عقوبات على سورية، وكأن الهدف هو معاقبة سورية وليس التحقيق الدولي من أجل كشف مرتكبي جريمة اغتيال رفيق الحريري. ‏

على هذه القاعدة الكيدية يتجاهل الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ومندوبه لدى الأمم المتحدة جون بولتون كل هذا السيل من المواقف والتصريحات السورية والعربية والعالمية المؤكدة أن سورية تعاونت مع لجنة التحقيق، ومستعدة للمزيد من التعاون، بما يؤدي إلى النتائج المرجوة قضائياً، بعيداً عن التسييس وتصفية الحسابات اللذين تسعى إليهما الإدارة الأميركية. ‏

وقد لاحظ المتابعون أن دمشق كانت خلال الأسبوعين الماضيين مقصداً للكثير من الوفود العربية والعالمية، وأن جميع هذه الوفود أعلنت بكلام واضح أن سورية مستعدة للتعاون مع لجنة التحقيق شرط عدم المساس بسيادتها الوطنية، وأن بإمكان القاضي ديتليف ميليس أن يحصل على ما يريد بالطرق القانونية. ‏

أما أن تثار هذه الضجة الأميركية حول مكان الالتقاء بالأشخاص السوريين المطلوب الاستماع إلى شهادتهم فهذا يعني أن الإدارة الأميركية لا تريد للتحقيق أن يأخذ مجراه القانوني، وأنها تضغط في الاتجاه المعاكس، ونتمنى ألاّ يكون صحيحاً ما قيل عن أنها طلبت من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان «أن يرفع يده عن ميليس» كما تردد في وسائل الإعلام. ‏

وللتذكير فقط فإن السيد عنان أعلن بعد كلمة السيد الرئيس بشار الأسد الأخيرة أنه مرتاح لتعاون سورية فيما نقل عنه مؤخراً، وفي هذا إشارة إلى عدم التوقف عند المكان في مجريات التحقيق، وهذا بالطبع لا يرضي صقور الإدارة الأميركية الذين يريدون فرض توجههم القائل زوراً وبهتاناً: إن سورية لا تتعاون وأنه يجب معاقبتها. ‏

وما قاله عنان قاله أيضاً الروس والصينيون والأتراك والإيرانيون، إضافة إلى سائر الدول العربية، والأمين العام للجامعة العربية، وأكدته سورية بالفعل والقول. ‏

ولا يخفى على أحد في هذا المجال الدخول الإسرائيلي على خط القرار 1636 مباشرة عبر شارون وشالوم أو بالوكالة عبر بعض الأصوات النشاز التي تتبنى سراً الموقف الإسرائيلي، مع الإشارة هنا إلى أن تسعين في المئة مما يقوله الأميركيون عن التحقيق باغتيال الحريري والمنطقة بشكل عام يُعدّ في «إسرائيل» وليس في واشنطن. ‏

في كل الأحوال، فلجنة التحقيق الدولية لم تنجز عملها بعد، ولم توجه اتهاماً لأحد في سورية التي تريد الحقيقة فعلاً، ويخطئ من يظن غير ذلك.‏