الفرصة التي منحتها الجامعة العربية للأطراف السياسية العراقية كي يرسموا طريقهم القويم لتحقيق الوفاق الوطني يجب ان يتم انتهازها لأقصى درجة ممكنة، فهذه الفرصة ليست مجرد مكان أمن في القاهرة ورعاية مباشرة من ثماني دول عربية من بينها الاردن انها الاختبار الحقيقي لارادة العراقيين للتخلي عن انتماءاتهم المذهبية والعرقية لصالح الوطن الواحد الذي يتسع لجميع الفئات التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي.
وبغض النظر عن سقوط النظام السابق، ومن دون الحاجة للتذكير بأن العراقيين سبق ان عاشوا زمنا طويلا كشعب واحد موحد فان الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أنه لا مجال للخروج من المأزق الراهن الا عن طريق الوفاق الوطني، ولا يمكن ان يظل العراق قائما في نطاق جغرافيته الراهنة من دون تحقيق الوفاق وتوظيفه لحل المشكلات التي خلقها انهيار النظام السابق وحلول الاحتلال الأجنبي، بل ان ذلك الاحتلال لا يمكن انهاؤه من دون ان يثبت العراقيون قدرتهم على ادارة شؤونهم بأنفسهم وفرض قوة النظام والقانون واقامة المؤسسات القادرة على خدمة مصالح الشعب العراقي.
ذلك هو المعنى الصحيح للفرصة التي تتيحها جامعة الدول العربية للقيادات السياسية العراقية التي استجابت لمساعي الأمين العام وعدد من الدول العربية وهي مدركة لأهمية تلك المبادرة التي تعيد العراق الى الحضن العربي بكل ما لذلك الهدف من أهمية في نطاق المعادلة الاقليمية التي كادت تعزز روح الانقسام الجيوعرقي لولا ان الخريطة السياسية للعراق ما زالت موجودة ومحافظا عليها في نطاق النظام العالمي للدول، وبالتالي فانه يصعب المساس بالحدود القائمة تحت أي ظرف، فضلا عن وجود عوامل اخرى وتوازنات تعمل في مجملها لصالح وحدة الاراضي العراقية، وهذا واقع يفترض ان ينتهزه العراقيون لتحقيق وحدة الشعب لتكون مطابقة لوحدة الارض.
ان النظرة الأولية للاجتماعات التمهيدية والجلسة الافتتاحية بمشاركة الرئيس المصري حسني مبارك تدل على وجود رغبة مشتركة للبحث عن حلول مناسبة، وحتى وان وقعت ردود افعال معبرة عن سوء التفاهم، فتلك هي الغاية من مؤتمر الوفاق أي ازالة الخلافات القادمة معهم من العراق، واستبدالها برؤية مشتركة لمستقبل بلدهم، وذلك هو واجبهم الذي يحملون مسؤوليته السياسية والاخلاقية امام العراقيين بل امام الله والتاريخ ايضا.
ان الوضع الأمني في العراق يفرض تلك المسؤولية التي اشرنا اليها، والا فكيف يمكن ترك كل هذا القدر من القتل الدنيء يتواصل في العراق مستبيحا كل القيم الانسانية ومدمرا البنى التحتية ومعطلا الحياة الطبيعية وموقعا الخسائر الجسيمة بالارواح والممتلكات من دون ان يكون ذلك عملا متصلا بالمقاومة والتحرير، وانما بالقتل لغاية القتل وسلب العراقيين حقهم المشروع في حياة كريمة آمنة مستقرة مزدهرة.
من الطبيعي ان تأخذ مبادرة الوفاق الوطني من اجل العراق قدرا كبيرا من الجهود والاعمال المتواصلة، ومن المتوقع ان تقتضي الطريق مستلزمات كثيرة لتصبح ممهدة نحو عراق جديد ينعم فيه العراقيون بالأمن، ولكنه لا بد من رسم معالم تلك الطريق اولا، وتلك هي الفرصة التي يمكن ان تولد في القاهرة حيث مقر جامعة الدول العربية، ويمكن ان ينمو ويكبر في بغداد، ونحن لا نريد ان نزيد او نقلل من فرص النجاح، ولكننا نريد ان نرى القيادات العراقية وقد تقدمت نحو الاهداف السامية، وهي حتما ممكنة بقدر عزيمة وصدق وشرف تلك القيادات.