وفاق، أم فراق عراقي يؤجج القوى المتحركة والساكنة، حين يجتمع الفرقاء في القاهرة لمناقشة أوضاع بلدهم، وتداول قضاياه الحالية، ونسيان تواريخ الدماء، وقتلى الشوارع والالتفات إلى العنف القائم، وهيكل القوى التي تتحكم بمسارات مختلف التيارات القائمة..
هناك دعوة من الجامعة العربية، وهناك استجابة من العراقيين بقبول الوفاق وإنما بشروط متغايرة يصل بعضها إلى التعجيزية، وقد لا يكون هذا الاجتماع مقبولاً من قوى الاحتلال، لأنها تريد احتكار الحلول باتفاقاتها الخاصة، لكن هناك حقيقة قائمة وهي أن الطوائف الإسلامية مضافاً إليها القومية الكردية، هي المعادل المتكافئ أو المختل في هذه الصراعات، ومن هنا إذا كان استبعاد أي فئة يعني اختلال توازن الوفاق، فإننا نجزم أن العراق عاش عذاباً هائلاً من البعثيين والشيوعيين والقوميين، وجاء صدام حسين ليقضي على بقايا عراق تلك المراحل جميعها..
الآن لا يمكن تجاوز الواقع، وعلى المجتمعين أن يدركوا أنه لا يمكن عزل فئة عن أخرى، مهما كانت المسببات، بمعنى أن استبعاد البعثيين أو مناصري صدام، هو مطلب عادل لكنه غير منطقي، بل يجب محاكمة الرؤوس الكبيرة، ومنعها من أي دور، ولعلنا نتذكر كيف استولت أمريكا وحلفاؤها على اليابان، وألمانيا دون أن يجرّم الشعبان بجريرة قياداتهما، وصارت الملاحقات، والمحاكمات تتصل بتلك الرؤوس، والقياس ينطبق على لبنان، حيث، بعد اتفاق الطائف، أجمع الفرقاء على أن الجميع شريك بالحرب وتبعاتها، ولابد من نسيان ذلك، والاتفاق على صياغة المستقبل، وبناء عوامل الثقة من أجل إعادة لبنان إلى طبيعته الإنسانية..
العراقيون يحتاجون إلى خلق بيئة تصالح إيجابية، لأن عملية الاقتصاص من تاريخ حكومات العراق، ستفتح نوافذ عديدة، قد لا تقرّب المجتمعين والذين لا نشك أن لديهم نوايا صادقة بصيانة وحدة العراق، لكن أن يكون التاريخ، حتى القريب منه محور النقاشات وتداول القضايا الساخنة، فإن ذلك يجعل التقارب مستحيلاً، وبنفس الوقت ستكون الحرب الأهلية هي الحل، أما إذا كانت الفرص القائمة تحول بين نشوء هذه المأساة، فإن على القيادات العراقية المجتمعة في القاهرة، أن تعلم أن كل من يساهم أو يساعد على تقريب وجهات نظر الفرقاء، إنما هو عامل مساعد فقط، ويبقى الحل بيد العراقيين وحدهم، وعندها قد لا يلام أحد بالتقصير إذا كان الأمر خارج أي نفوذ عربي، أو إسلامي، ويبقى الأمر معلقاً على دور القوى الدولية، والتي قد تجد نفسها مضطرة إلى ترك العراقيين يعالجون قضاياهم بأنفسهم إذا ما شعروا أن كل الأبواب مغلقة أمامهم، وأن تلك المطامع سوف تغرق بأرض العراق..