يعيبنا في بلادنا على الرغم من وجود القوانين والقرارات التي تكفل الحقوق الاجتماعية وتصب في مصلحة الجميع، يعيبنا ان البعض لا يهتم بتطبيق تلك القوانين والقرارات ولا يكلف نفسه عناء البحث في جدواها خاصة عندما لا تكون إلزامية.
مناسبة هذا القول تصريحات فوزية طارش ربيع، مدير إدارة رعاية الأسرة والطفولة بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية في الدولة حول عدم ممانعة القانون إنشاء وافتتاح دور الحضانة لأبناء العاملين والعاملات في الوزارات والهيئات العامة والدوائر الحكومية والاتحادية.
وإعفاء تلك الحضانات من الرسوم المقررة للحصول على التراخيص. فعلى الرغم من الايجابيات التي يحملها هذا القانون لا نكاد نرى له أثرا واضحا في مؤسساتنا الحكومية.
القانون الذي وضعته الوزارة كان لتقليل مخاطر بقاء أطفال الموظفات مع الخادمات او الاعتماد عليهن. لكن غياب تطبيق هذا القانون اضطر الموظفات لترك اطفالهن بمفردهم مع الخادمة والمربية اثناء ساعات العمل.
ظروف الحياة الاسرية اختلفت الآن كثيرا عما كانت عليه في السابق. ففي السابق كان »البيت العود« يضم افراد الاسرة ابناء وبنات وأحفادا، وكانت الام الموظفة عندما تخرج للعمل تترك اطفالها مع المربية او الخادمة وهي مطمئنة لأن في المنزل جدة .
او خالة او عمة تشرف على تربيتهم ورعايتهم. أما الآن فمعظم الابناء استقل بمنزله الشخصي، وأصبحت هذه المنازل في مناطق متفرقة تفصلها عن بعضها البعض مسافات، الامر الذي حال دون ترك الابناء مع الاقارب، وامطرنا بسلبيات بقاء الاطفال مع الخدم.
البعض رأى ان الحل يكمن في ترك المرأة للوظيفة والتفرغ لتربية الابناء بدل تعريضهم لسلبيات الخادمات. لكن حل المشكلة اكبر من تخلي المرأة عن الوظيفة. فالمرأة اليوم اصبحت شريكة للرجل ليس بتقلد منصب مواز لمنصبه.
بل بمشاركته عبء المسؤولية المادية التي لم يعد قادرا على النهوض بها بالاعتماد على راتبه فقط وسط غلاء المعيشة الذي يعاني منه ذوو الدخل المحدود. كما تضطر المرأة للوظيفة ان كانت مطلقة أو أرملة لا تكفيها نفقة الشؤون الاجتماعية .
او نفقة الزوج للإنفاق على نفسها وابنائها، فتصبح الوظيفة حينها ضرورة وليست ترفا. وقد يكون هذا المطلب، التخلي عن الوظيفة، مناسبا للموظفة المستقرة ماديا بسبب وضع زوجها المادي او للمطلقة او الارملة التي لديها مصدر دخل يغنيها عن الوظيفة.
لا يختلف اثنان على حقوق الابناء وواجبات الامهات وسلبيات الخدم والمربيات، لكن هناك قضايا لابد من وضعها في الاعتبار عند محاكمة الأم الموظفة. قضية الحاجة المادية للوظيفة، وقضية غياب القوانين التي تكفل عمل المرأة .
ورعاية ابنائها في الوقت نفسه، وقضية اجازة الحضانة ومقارنتها بالدول المتقدمة، وقضية التغييرات الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بمجتمعنا، وقضايا أخرى كثيرة لابد وان توضع على المحك قبل مطالبة المرأة بالتخلي عن وظيفتها.
سياسة الدولة التي نشهدها تحرص على تطوير اوضاع المرأة وعلى زيادة مسؤولياتها في بناء المجتمع وتحمل مسؤولياته جنبا الى جنب مع الرجل، إذ أتاحت لها فرص التعليم بكل مستوياته.
وقلدتها مناصب هامة كالوزارية وقد تتسع مشاركتها مستقبلا في المقاعد البرلمانية، فهل يعقل وسط هذه التوجهات ان نطالب المرأة بالتخلي عن وظيفتها ومسؤولياتها الوطنية بدل البحث عن وسائل وآليات تتيح لها القيام بتلك المسؤوليات دون المساس بمسؤولياتها الاسرية ؟
إن حلول مشكلة بقاء الاطفال مع الخادمات كثيرة، كتطبيق قانون العمل الذي لا يمنع انشاء دور الحضانة في مختلف المؤسسات، بالإضافة إلى تعديل قوانين الوضع والحضانة وغيرها من الحلول التي لابد ان يبحث المسؤولون فيها بجدية تامة بدل مطالبة المرأة بعد كل ما شجعتها الدولة عليه.
وما حققته بترك الوظيفة والتفرغ للأبناء الذين يمكنها النهوض بمسؤولياتهم متى ما وضعنا آليات تكفل ذلك وتسير جنبا إلى جنب مع تطوير أوضاع المراة العاملة وزيادة مسؤولياتها.
maysaghadeer@yahoo.com