اللطمات المحلية لسياسة الرئيس بوش العراقية صارت شبه يومية. الخناق يضيق حوله وتشتد محاصرته من كل صوب، وأكثر ما يؤذيه في ذلك، أن التيار المناوئ للاستمرار في حرب العراق والمطالب، بصورة متزايدة، بالبحث عن صيغة لجدولة انسحاب ما؛ بات يستقطب أركان حزبه في الكونغرس، ناهيك بخصومه الديمقراطيين.

وأزمة الرئيس هنا تتمثل في ضمور الثقة بنوايا ادارته بتقديراتها العسكرية؛ فضلاً عن طروحاتها السياسية. وعلى وجه الخصوص زعمها بأنها تعمل على اقامة ديمقراطية في العراق تكون قدوة المنطقة!

وقد تعززت هذه الأجواء مؤخراً بالمزيد من انفضاح الأكاذيب التي تم تلفيقها لشن الحرب؛ وبانضمام أسماء كبيرة إلى صف المعارضة مثل الرئيسين السابقين كارتر وكلينتون. كل ذلك على خليفة تعثر الاحتلال وارتفاع كلفته البشرية المتزايدة؛ في صفوف القوات الأميركية.

آخر النماذج كان قبل يومين عندما انبرى احد النواب الأميركيين ليطالب بانسحاب سريع من العراق؛ على أساس أن القوات الأميركية »فعلت كل ما يمكن أن تقوم به وبالتالي صار استمرارها في هذه المهمة أمراً يتنافى مع مصالح أميركا«. وقد أثار كلامه ردود فعل واسعة وكان حديث الساعة في واشنطن منذ يوم الجمعة الماضي.

فهو الأول من نوعه وبهذا الوضوح. كما أن صاحبه محسوب على خندق الصقور المؤيدين لمواقف الرئيس في الشؤون الخارجية. بالإضافة إلى أنه ضابط متقاعد في المارينز وأحد المتخصصين في قضايا الدفاع. وبذلك فإن موقفه نابع عن قناعة بخطورة الوضع بقدر ما هو بعيد عن الحزبية وحساباتها الضيقة.

وجاءت قنبلة النائب، الديمقراطي المحافظ جون مارثا، في اعقاب تصويت مجلس الشيوخ على مشروع قرار ـــ ولو غير ملزم ـــ يدعو الرئيس بوش إلى العمل على جعل عام 2006 محطة تشهد »عملية نقل السيادة بصورة جوهرية، الى ايدي العراقيين« أي »خلق الشروط اللازمة لانسحاب مرحلي من العراق«. يعني، لجدولة الانسحاب؛ ولو لم يقلها المشروع صراحة.

وكان قبله بيوم قد طرح على مجلس الشيوخ مشروع قرار تقدم به الديمقراطيون ويقضي بضرورة »تحديد موعد للانسحاب من العراق«. ومع ان هذا القرار سقط عند التصويت، بحكم كون الغالبية من حزب الرئيس؛ إلا أن المناخ ليس لصالح هذا الأخير وسياسته.

أحد أركان الجمهوريين السناتور جون وارنر رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ كان واضحاً في تحديد الفترة التي ينبغي نقل المسؤوليات الأمنية بعدها ـــ شهرين إلى ستة أشهر ــ إلى يد العراقيين. وهذا النقل هو الاسم الحركي للجدولة.

الإدارة ردت بهجوم مضاد، قاده نائب الرئيس تشيني في خطاب مهم له، يوم الجمعة. لكن ذلك لم ينفع في لجم التيار المناوئ للحرب. بل ان هذا الأخير مازال يتعاظم ويكبر. وكل المؤشرات توحي بانه سائر إلى المزيد من التزخيم. وأهم هذه المؤشرات يتمثل في كثرة تداول عبارة »الجدولة« و»تحديد موعد« للانسحاب.

طبعاً لا يعني ذلك الانسحاب التام من العراق. ربما المقصود التجمع في قواعد عسكرية محددة. لكن مع ذلك فإن هذا التطور القادم ــ ويبدو أنه لا فكاك منه ـــ يشكل نقطة تحول بالنسبة للعراق، فهل يستعد العراقيون للتعامل معه أم يبقى وضعهم غارقاً في المجازر ونسف الجسور فيما بينهم؟