انتصار عمير بيرتس على شيمون بيريز كان بمثابة انقلاب ديمقراطي أو انتخابي في حزب العمل الذي وصل إلى أعلى درجات البهتان الايديولوجي والتهميش الذاتي السياسي، انتصاراً على بيريز الذي تلاحقه لعنة الفشل الدائم في الموقع الأول سواء كان في الحزب أو في الحكومة والمساعد البارع في الموقع الثاني.
انه انقلاب متعدد الأوجه على مستوى الأجيال ضد شيوخ الحزب الذي شاخ وعلى مستوى الأصول الأثنية، حيث يأتي الى قيادة حزب الاشيكناز بامتياز، رجل من السفارديم، وعلى المستوى العقائدي حيث يعود العمالي اليساري الى قيادة حزب فقد كل تراثه وعلة وجوده في هذا المجال.
وعلى مستوى السياسة اذ جاء الشخص الذي سيفك علاقة التبعية التي صاغها بيريز لحزبه مع حزب الليكود بحيث صار حزب العمل ملحقاً بالحزب الأخير معنيا بتلميع صورته في الأوساط الدولية السياسية والعقائدية المناهضة له أساساً.
لكن السؤال يبقى قائماً حول أفق هذا الحراك الذي أحدثه انتصار الرجل الآتي »من تحت«، في الحزب وفي السياسة الاسرائيلية الداخلية وفي الملف الخارجي الأهم »ملف« القضية الفلسطينية التي أدخلها الثنائي شارون وبيريز في مسار الخطوات الصغيرة المتفرقة، الخطوات الحاملة للتوتر والانسداد والتي تندرج تحت عنوان تجميد المفاوضات أو تعليقها ضمن أفق مفتوح.
ما هي سمات هذا الحراك المتعدد الأوجه والأبعاد؟
أولاً: إعادة المشكلة الاقتصادية الاجتماعية من منظور حزب العمل الى قلب السياسة الحزبية والإسرائيلية بعد ان نسيت أو وضعت على الرف لفترة طويلة.
بيرتس »حامي الفقراء« السياسي العملي القادر دائماً ان يوفق بين متطلبات اقتصاد العولمة الذي تعيش فيه إسرائيل الجديدة وبين التركيز على التضامن الاجتماعي أو شبكة الأمان للطبقات الفقيرة والمهمشة.
ثانياً: الربط بين إشكالية السلام الشامل والعادل أو النزاع المفتوح وشروط كل منهما من جهة وبين تدهور الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية الاسرائيلية بسبب الخيار الثاني في تلك الاشكالية من جهة أخرى، فالخروج من الأزمة الاقتصادية يرتبط حسب بيرتس بتحقيق السلام وهذه معادلة كانت غائبة أو مغيبة عند الليكود بالطبع ومنسية.
أو متناسية كلياً عند حزب العمل، يوسي ساريد أحد أبرز قيادات حزب ميرتس اليساري يعتبر أن التحدي الأساسي أمام عمير بيرتس يتمثل في قدرته على بلورة جبهة انقاذ إسرائيلية، فهو حسب ساريد يقدم فرصة جديدة لليسار الضعيف والاقلوي في ائتلاف القوى الذي يمثل ومعه النواب العرب في الكنيست.
ثالثاً: يمثل عمير بيرتس، والتحدي هو ان يجر حزبه الى هذا الموقع، الشريك الموعود والمنتظر للفلسطينيين أو توخياً للدقة يمثل مشروع شريك ضروري لإعادة إحياء عملية السلام من خلال العودة إلى عملية المفاوضات حول التسوية الدائمة بالطبع اذا استطاع ان يهيمن تياره من الحزب ومن حلفائه المحتملين على السلطة.
رابعاً: أحدث »الانقلاب« حالة من انعدام الوزن في اللعبة الحزبية في إسرائيل، فحزب شينوي العلماني لم يعد مستعداً اذا انسحب العمل الجديد بقيادة بيرتس من الائتلاف الحكومي، ان يوفر شبكة الأمان لحزب شارون للاستمرار في السلطة.
وسيدفع كما سيندفع بيرتس إلى إجراء انتخابات مبكرة في الربيع المقبل، وهو ما يريده أيضاً خصم شارون اللدود في الليكود بينامين نتانياهو.
والمفارقة ان سيناريو انتصار الأخير على شارون هو الأكثر ملاءمة لعمير بيرتس اذ سيؤدي الى مواجهة مطلوبة وواعدة بالنسبة لبيرتس بينه وبين نتانياهو النيوليبرالي على خلفية الوضع الاقتصادي الاجتماعي الاسرائيلي والمزاج الشعبي التقليدي حول دور الدولة في الاقتصاد ومسؤولياتها الاجتماعية، المزاج مازال قوياً رغم بعض التراجع مقارنة مع الماضي.
خامساً: ستغرق إسرائيل في سياسات الانتخابات، كما ان على بيرتس ان يواجه في هذه الحالة عدة حواجز أمامه في الحزب منها خوف الرأسمالية الصاعدة من أفكاره وبرامجه المختلفة وتداعياتها على مكتسبات هذه الفئة .
ومنها أيضاً توجس المؤسسة الأمنية من أفكاره »الحمائية« في المسألة الفلسطينية ثم حاجز التميز الذي يرفض الكثيرون الاعتراف بوجوده رغم حقيقة هذا الوجود وقوته، التمييز الذي هو قائم عند اليهود الغربيين ضد اليهود الشرقيين.
وعلى شارون أيضاً المستفيد حالياً من تعبئة الليكود حوله ان يواجه نتانياهو الصاعد بقوة في الحزب والأكثر صرامة وتشدداً ومبدئية في المسألة الفلسطينية.
وان يواجه خطاباً اقتصادياً اجتماعياً من بيرتس جاذباً للطبقات الشعبية، فكل من خصمي شارون يشكل تهديداً له في مجال معين، قد يلجأ شارون الى التصعيد ضد الفلسطينيين لخلق مناخ شديد التوتر والمخاطر يسمح له بالتفوق على بيرتس المعتدل أو المستعد لــ»التفريط« بالأهداف الإسرائيلية الأمنية.
وعلى شارون ان يحافظ على وجهه البراغماتيكي المستعد ان يتفاوض ولو بشروطه والذي يراهن عليه »الرباعي« ليستمر هذ الرهان ومعه الدعم في حربه الداخلية ضد نتانياهو.
عمير بيرتس فتح ثغرة في الجدار فهل يستطيع اسقاط هذا الجدار الأخير، جدار اللاحرب واللاسلم الذي بناه شارون، ليأخذ الحراك الذي أطلقه بعده الكلي، أو ينتهي هذا الحراك وكأنه حجرة ألقيت في مياه راكدة سرعان ما ستعود إلى وضعها الطبيعي، هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة.
٭ كاتب لبناني
عنوان فرعي