تؤكد المعطيات السياسية القائمة اليوم أن إسرائيل، وبعد تنفيذ خطتها المتعلقة بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة، باتت أبعد، أكثر من أي وقت مضى، من استئناف عملية التفاوض مع الفلسطينيين.

وأن البديل عن ذلك عندها إنما يكمن في استمرار فرض التسويات الأحادية، التي تمكّنها من الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أراضي الضفة الغربية، لأغراض الاستيطان والأمن والحاجات المائية، وأيضا لضمان سيطرتها على أوضاع الفلسطينيين، مع الانفصال النهائي عنهم.

في هذا الإطار نشرت الصحافة الإسرائيلية مؤخّرا تقريرا تحدثت فيه عن قيام حكومة شارون بإعطاء الضوء الأخضر للجيش الإسرائيلي للشروع في الإخراج إلى حيز التنفيذ خطة أعدتها لخلق واقع من الانفصال التدريجي في الضفة الغربية، بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

المرحلة الأولى في هذه الخطة تتمثل بتحقيق الفصل في محاور حركة التنقل في الضفة: طرق للإسرائيليين فقط وطرق للفلسطينيين فقط، مع بناء معابر على شكل جسور أو أنفاق لمنع الاحتكاك بين الطرفين، بحيث يتكامل ذلك مع مسار الجدار الفاصل. وتتوخّى إسرائيل من وراء ذلك، بحسب التقرير:

»وقف التعلّق الاقتصادي لعرب المناطق بإسرائيل، ومنع دخول الفلسطينيين إلى داخل نطاق الخط الأخضر لغرض البحث عن العمل، وخلق فصل تام بين منظومتي الحياة للإسرائيليين والفلسطينيين في المناطق (الضفة) وذلك حتى العام 2008«.(معاريف 19/10).

الجدير ذكره أن التقرير كشف عن قيام المستويين السياسي والأمني في إسرائيل بفرض نوع من التعتيم على هذه الخطة »خشية أن تعد في العالم كمحاولة إسرائيلية لتخليد الاحتلال في جزء من مناطق يهودا والسامرة(الضفة)«.

على أية حال فإن الحديث عن إمكان تطبيق إسرائيل خطة انسحاب أحادي محدود في الضفة الغربية ليس جديدا البتة، حيث ظلت الصحف الإسرائيلية تتحدث عن مثل هذا الخيار منذ اتخاذ حكومة شارون قرارا بشأن تنفيذ خطتها تلك في قطاع غزة، برغم من دأب أركان هذه الحكومة على نفي وجود مثل تلك الخطة بما يتعلق بالضفة، للتخفيف من هجمة الجماعات المتطرفة.

وكانت صحيفة »يديعوت احرونوت«، مثلا، كشفت عن وجود ما يسمى خطة »فك الارتباط ب« التي تحمل عنوان »حسم قومي لرسم حدود دائمة لإسرائيل«، تتضمن تكثيف عمليات الاستيطان في المستوطنات الكبيرة.

وربطها بالبلدات الإسرائيلية (داخل الخط الأخضر) في مقابل إخلاء المستوطنات الصغيرة وترك ما تبقى بأيدي الفلسطينيين«، من دون الإشارة إلى إقامة دولة فلسطينية.

وبحسب شمعون شيفر فإن استراتيجية حكومة شارون في هذا المجال تتأسّس على الحيلولة دون وجود سلطة فلسطينية مركزية وتحويل المناطق الفلسطينية ذات التجمعات السكانية الكثيفة إلى »دويلات« صغيرة يعيش كل منها في ظل نظام اقتصادي منعزل عن باقي الأراضي الفلسطينية.

ويحكمها »مخاتير« أو »رؤساء مناطق«. ما يذكّر بمحاولة فاشلة قام بها شارون في أوائل الثمانينات، عندما عمل على إنشاء »روابط القرى« وتعيين أشخاص يتعاملون مع السلطة المحتلة.

ويرى بعض أصحاب القرار في إسرائيل أن الوضع الناشئ في الضفة، والناجم خصوصا عن بناء الجدار الفاصل، الذي يحول الضفة إلى 27 تجمعا سكانيا معزولا عن بعضه البعض، ويفصل نهائيا شمال الضفة الغربية عن جنوبها (من خلال ربط مستوطنة معاليه ادوميم بوسط مدينة القدس الشرقية)، يزيد من احتمالات نجاح المشروع الليكودي القديم – الجديد«.(يديعوت أحرونوت 15/4).

الآن يبدو أن المعطيات السائدة، كما قدمنا، ترجّح وتشجّع جنوح إسرائيل نحو اعتماد هذا الخيار. وفي الحقيقة فإن إسرائيل، ومنذ انطلاق عملية التسوية (1991)، لم تقتنع ولم تتصرف، يوما، بواقع من وجود شريك فلسطيني.

وهي لم تتفاوض مع الفلسطينيين باعتبارهم ندّا لها؛ سواء في ظل حكومات العمل أو الليكود. أما تفضيلها لخيار المفاوضات الثنائية فكان على سبيل المراوغة، ووسيلة للتهرب من استحقاقات المفاوضات الجماعية، إذ أنها اعتبرت المفاوضات الثنائية مجالا لها للاستفراد بالفلسطينيين .

والضغط عليهم لقبول املاءاتها السياسية، في مختلف المجالات التفاوضية؛ هذا عدا عن اعتبارها للمفاوضات نوعا من لعبة علاقات عامة لتحسين صورتها على الصعيدين الدولي والإقليمي.

وفي كل الأحوال فإن خيار التسويات الأحادية، من وجهة النظر الإسرائيلية، يمكّن إسرائيل من فرض التسوية التي تتناسب مع أولوياتها وحاجاتها، والتي يمكن أن يتم إيجاد نوع من الإجماع عليها، بين مختلف الأطراف الإسرائيلية الفاعلة.

ولاسيما بين الحزبين الكبيرين العمل والليكود. وجوهر التسوية الأحادية كما هو معروف يتأسّس على التحرر من التبعات السياسية والأخلاقية للسيطرة على الفلسطينيين.

والتخلص من ما يسمى الخطر الديمغرافي، والحفاظ على طابع إسرائيل كدولة يهودية، عبر الانسحاب من التجمعات السكانية الكثيفة، مع الإبقاء على الكتل الاستيطانية الكبيرة، والحفاظ على القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية.

وبالنسبة لإسرائيل فإن مثل هكذا تسوية تجنّبها استحقاقات أو إشكاليات التسوية النهائية، التي يمكن أن تضطرها لإعادة تعريف هويتها ودورها السياسي وحدودها البشرية والجغرافية والسياسية؛ وهو الأمر الذي يمكن أن يدخلها في متاهة من الصراعات الداخلية، هي في غنى عنها.

وفوق كل ما تقدم فإن إسرائيل، في هذه المرحلة، التي تقوم بها بهضم تداعيات الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، لا تبدو جاهزة للشروع بخطوة كبيرة أخرى، على مستوى استئناف المفاوضات مع الطرف الفلسطيني.

لذا فإنها تعتقد بأنها يمكن أن تستغل الاحتضان الدولي والإقليمي للانسحاب من غزة لخلق وقائع جديدة في الضفة، تسهل عليها مستقبلا فرض املاءاتها على الفلسطينيين، إن لم يكن على طاولة المفاوضات فمن خلال الأمر الواقع.

عموما فإن الواقع الدولي والإقليمي يشجع حكومة شارون على تكريس نهج التسوية من طرف واحد، فالرئيس الأميركي جورج بوش أقر في رسالة التطمينات التي قدمها لشارون (أبريل 2004) بتفهم الولايات المتحدة لعدم انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

وبحاجة إسرائيل لضم الكتل الاستيطانية الكبيرة، وباعتبار أن مشكلة الفلسطينيين لا تتوقف على وجود الاحتلال، بقدر ما تتوقف على وقف العنف وإصلاح مؤسساتهم.

وهي الأمور التي عاد وأكدها للرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي التقاه مؤخرا. كذلك فقد تجاوبت اللجنة الرباعية، الراعية لخطة خريطة الطريق، مع سياسة حكومة شارون باحتفائها بخطته الأحادية وبوضع الخريطة على الرف!

أما على الصعيد العربي، فيبدو الوضع صعبا ودقيقا للغاية في ظل انشغال العرب بأوضاعهم وهمومهم، بعد احتلال العراق، وبعد ابتزاز الولايات المتحدة للعديد من الأنظمة العربية، وبعد المخاطر التي تتعرض لها سوريا.

على ذلك يمكن الاستنتاج بأن التسوية القائمة على التفاوض والشراكة بالسلام باتت من الماضي، نظرياً وعملياً، وأن البضاعة الموجودة في السوق هي خطط الإملاء والفرض بالتسوية أو بالإكراه.

كاتب فلسطيني