في أعقاب الكشف عن فضيحة تعذيب المعتقلين في سجن أبو غريب سارعت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وكبار المسؤولين الأميركيين إلى إلصاق التهمة بحفنة من الجنود المارقين، وقال الجميع إن الأمر لا يعدو كونه عملاً فردياً من قبل مجموعة خرجت عن القانون و لطخت شرف الجندي الأميركي.
واليوم وبعد الإعلان عن فضيحة »أبو غريب – 2« ينتهج بعضهم الأسلوب نفسه، في نفي الجريمة، ولكن بطريقة أكثر بدائية عندما حاول إلقاء المسؤولية على ضباط بعثيين سابقين أعيدوا إلى الخدمة.
الفضيحة التي دوت أصداؤها في العالم وجعلت الأمين العام للأمم المتحدة يبدي »قلقه العميق« لا يمكن فصلها عن الجدل الدائر في الأوساط الأميركية بشأن السماح للاستخبارات الأميركية باستخدام ما تراه من أساليب في التعامل مع المشتبه بقيامهم بعمليات إرهابية.
وحرمانهم من الوقوف أمام قاض مدني، وهي أيضاً غير منقطعة الصلة بالحديث عن وجود معتقلات سرية أميركية في دول أوروبية وآسيوية يجري فيها تعذيب سجناء الحرب على الإرهاب.
وعلى ما يبدو فان واشنطن ومع اتساع الانتقادات لطريقة تعاطيها مع المعتقلين عبر العالم وخاصة بشأن ما جرى في أبو غريب الأولى، وما يحدث في قاعدة غوانتانامو.
عمدت هذه المرة إلى استخدام طرق أكثر التواء لإبعاد المسؤولية عن كاهلها، واعتماد سياسة التعذيب بالوكالة التي يتم عبرها إساءة معاملة المعتقلين بأيدي آخرين لحسابها، ودع عنك الإدانات اللفظية للجريمة.
وإلا لماذا رفضت واشنطن إجراء تحقيق دولي لما تكشف من قبو الجادرية في بغداد، من عمليات تعذيب وحشية، أعادت إلى الأذهان الجرائم التي يحاكم عليها صدام الآن!
قالت واشنطن إنها جاءت إلى العراق للبحث عن أسلحة الدمار ولما سقطت الحجة رفعت شعار الديمقراطية والحرية وتقديم نموذج لدمقرطة المنطقة، ولكن الظاهر مع الكشف عن فضائح التعذيب واحدة تلو الأخرى أن الأجندات المعلنة لا تنطبق على تلك الخفية، التي توغل في الغموض يوما وراء يوم.
ظن البعض أن الأميركيين جادون في نشر الديمقراطية في ربوع المنطقة إلى درجة التهليل بالمحررين الجدد، والانحياز إلى خيار التغيير من الخارج، لكن خاب الظن، بعد انتقال عدوى انتهاكات حقوق الإنسان إلى تمثال الحرية الذي تحولت يده حاملة شعلة الحرية إلى عصا للبطش والتعذيب وان كان بالوكالة.
ما جدوى صناديق الاقتراع والتعددية السياسية، وصراع الديكة على المقاعد البرلمانية، طالما أن ذلك لم يحدث نقلة على صعيد الحريات العامة وصون كرامة الإنسان.
والإيمان الحقيقي بأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته أمام محكمة تتصف بالعدل والنزاهة؟! وما هو الفرق بين ديكتاتورية الأمس، وشعارات اليوم عن الحرية، وحقوق الإنسان؟
التعذيب في الأقبية لن يكون العنوان الصحيح لخروج العراق من دوامة العنف ومخاوف التقسيم، والانتقام وعدم إظهار التسامح حتى مع أعداء الأمس، طريق مفروش بالمخاطر، التي يمكن أن تتحول إلى وحش كاسر، يصعب ترويضه، والقضاء عليه، وأولى بمن يتطلعون للمستقبل الاحتكام، إغلاق صفحات الماضي السوداء وليس فتح صفحات جديدة في كتاب الحقد الأسود.