تتجلى الشفافية الأمريكية في أبهى صورها عندما لا يتعلق الأمر بها ولا بقواتها، فها هي على لسان المتحدث باسم سفارتها في العراق ترفض التقليل من خطورة سوء معاملة المعتقلين في سجن حكومي سري في العراق، مؤكدة أن وجود حالة إساءة "واحدة هي أكثر مما ينبغي". وهذه "السياسة" الأمريكية التي أكدها جيمس بولوك سياسة محمودة ومطلوبة يجب أن تنطبق أيضاً على الممارسات الأمريكية في العراق وفي غير العراق، لكن الواقع يثبت أن هذه الشفافية الأمريكية مقتصرة على الممارسات غير الأمريكية.
فسجن جوانتانامو تحيطه القوات الأمريكية بسرية تامة وما تسرب منه من أخبار مفزعة يدل على أن القوات الأمريكية أعطيت صلاحيات تامة في ممارسة أبشع أنواع التعذيب والإهانة بحق السجناء هناك تفوق تلك التي تسربت من سجن أبو غريب سيئ الذكر ناهيك عن إعطاء السجناء أبسط حقوقهم من تمكينهم من الدفاع عن أنفسهم وفق القوانين الدولية.
السجون الأمريكية في العراق وأفغانستان وجوانتانامو ما هي إلا غيض من فيض في ضوء تسرب تقارير منظمة العفو الدولية عن وجود معتقلات سرية تابعة لـ"سي. آي. إيه" الأمريكية في أكثر من بلد منها بلدان أوروبا الشرقية، ولا يعرف حتى الآن حجم هذه السجون ولا عدد المعتقلين المغيبين فيها وكيفية معاملتهم. والمنطق يقول إن إحاطة هذه المعتقلات بالسرية التامة تدل على أن معاملة السجناء فيها ستكون أسوأ مما مورس ويمارس في سجون بغداد وسجون أخرى بما فيها سجن جوانتانامو. ولو كانت غير ذلك لكشفت الولايات المتحدة عن مواقع تلك السجون التي سميت بـ"السجون السوداء" ولسمحت لمندوبي حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية بزيارتها لتثبت أن الشفافية الأمريكية تنطبق على السجون الأمريكية كما تنطبق على السجون العراقية.
ستكشف الأيام أيضاً - كما كشفت عن حرب فيتنام - أن التقارير التي نشرت عن استخدام القوات الأمريكية لأسلحة محرمة في الفلوجة وغيرها من الأراضي العراقية لم تكن من نسج الخيال وأن الولايات المتحدة تعتبر نفسها فوق القانون الدولي الذي تطالب غيرها بتطبيقه.