قد يكون استباقاً للأحداث وقفزاً على ما سوف تسفر عنه نتائج الجولتين القادمتين من الانتخابات التشريعية المصرية أن نقول ان فوز جماعة الإخوان المسلمين المحظورة ـــ قانونا ـــ في مصر منذ أكثر من 50 عاما بـ 34 مقعدا في الجولة الأولى سيفرز خريطة سياسية جديدة ممثلة في برلمان تقود المعارضة فيه جماعة غير معترف بها شرعيا من السلطة الحاكمة ولكنها أصبحت في هذه الانتخابات تمثل واقعا مجسدا في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية لا يمكن تجاهله بل بات مستساغا التعامل معه على أنه وجود مؤثر رغم حالة الخصام السياسي الظاهر والتواصل الخفي.

والتوقعات في الجولتين الثانية التي تجرى غدا في 9 محافظات مصرية والثالثة في أول ديسمبر المقبل تؤشر إلى فوز آخر ـــ أراه غير مفاجئ ـــ للإخوان المسلمين بعدد مماثل من مقاعد البرلمان المقبل الذي يقود البلاد في السنوات الخمس المقبلة ويفوق ما حصلوا عليه في برلمان عام 1987 عندما فازوا بـ 78 مقعدا بعد تحالفهم مع حزب العمل الاشتراكي وحزب الأحرار، فيما سمي آنذاك بالتحالف الثلاثي، الذي رفع لأول مرة شعار »الإسلام هو الحل«.

فوز »الإخوان« يجب أن نناقش أسبابه في إطاره المحلي والإقليمي والدولي فلم يأت كنبت شيطاني لا جذور له في التربة السياسية والاجتماعية في مصر أو في واقع التحولات السياسية الإقليمية والدولية ، ففي الداخل المحلي يمكن اعتبار فوز الإخوان بهذا العدد من المقاعد في الجولة الأولى بمثابة فوز للأقلية المنظمة وهي جماعة الإخوان المسلمين للأغلبية المزيفة المهترئة والمتصارعة للحزب الوطني الحاكم والمعارضة السياسية الأخرى بكافة ألوانها السياسية والحزبية بل يمكن التمادي والقول بأنه انعكاسا أيضا لمزاج ديني مسيطر بدرجة ما على الشارع المصري منذ أحداث سبتمبر 2001 وإعلان الحرب على الإرهاب والذي عبرت عنه »زلة اللسان« الأميركية بأنها »حرب صليبية«.

ويحسب للأوضاع الراهنة التي أتاحت حرية الحركة ورفع سقف الحريات السياسية بروز جماعة الإخوان بشعاراتها وأدبياتها الدينية المعروفة صراحة ولأول مرة في تزامن غريب لحالة الضعف والتراجع للظاهرة الحزبية التقليدية في مصر التي لم تعد تملك الحد الأدنى من التنظيم الداخلي والاستقطاب الجماهيري لتحقيق مطالبها الإصلاحية .

أما في المعطى السياسي الإقليمي والدولي فإن فوز »الإخوان« يأتي انسجاما للتمدد الذي حققته الأحزاب والجماعات والحركات الإسلامية في الحياة السياسية في دول عربية وإسلامية مثل باكستان و تركيا و فلسطين والبحرين وقطر والعراق منذ أحداث سبتمبر 2001 وإعلان الحرب على »الإرهاب« وحدوث ما يمكن تسميته بالاستقطاب الديني وإلهاب المشاعر الإسلامية واستفزازها ضد الهجمة الأميركية و»زلة اللسان« الشهيرة في ظل غياب المعادل الموضوعي لمشروع قومي وإصلاحي وهو ما يستدعي دراسته وفهمه والبحث في أسبابه وعلله.

بعض المحللين يذهبون في تفسيراتهم للظاهرة الإسلامية وللصعود الثاني للحركات الإسلامية مع بدايات القرن الحالي إلى أن بعض هذه الحركات والأحزاب قد تكون بديلا للنظام السياسي في بعض الدول الإسلامية بشكلها الحالي ويعتبرون تركيا النموذج الأمثل لذلك.. ولم لا فالرئيس بوش قد وصف تركيا التي استطاعت أن تقدم ببراعة تحت حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي مزيجا من الديمقراطية العلمانية والإسلام بأنها »الدولة النموذج لما يمكن أن تكون عليه دول الشرق الأوسط الإسلامية« وتمنى ـــ وهو ما يحدث الآن ـــ أن يكون نظام الحكم الجديد في العراق »أكثر إسلامية« من تركيا و »أكثر ديمقراطية« من إيران.

فهل تفرز الانتخابات التشريعية »النموذج المصري« الذي يتم إعداده للمستقبل والمشابه »للنموذج التركي« وهل هناك ما يمنع من تأهل وتأهب »الإخوان« وهي الجماعة المستبعدة من قوائم الإرهاب الأميركية من احتلال واجهة الحياة السياسية في مصر في ظل تصالح اجتماعي داخلي وقبول ورضا أميركي .. ـــ أقصد ـــ دولي؟

انتبهوا أيها السادة