كل ظاهرة أصلها أشياء صغيرة تتراكم، تحدث بشكل متناثر حتى تتحوّل على طريقة كرة الثلج، إلى كتلة كبيرة لا تخطئها العين. ولا يكفي لبعض الظواهر السلبية أن تأخذ صفة »الظاهرة« لمجرد تكرار حدوثها في مجال ما، لأنه في هذه الحالة سيكون من السهل العثور على الأسباب المؤدية لها. أما إذا تناسلت في أشكال متعددة فعندئذٍ يكون النقاش حولها من باب الواجب الوطني الحتمي، خاصة لو تعلق الأمر بمهنة الصحافة، التي بدأت تهيئ نفسها منذ فترة للعب دور أكثر التصاقاً وانتماءً للمجتمع الإماراتي، سيما أن المتابع لمسيرة الصحافة المحلية منذ نشوء الدولة وحتى الآن، سيجد ما يستحق الإشادة والتقدير والشد على الأيدي.

لكن المشكلة تكمن في أن مهنة الصحافة لا يمكن أن تنمو وتترعرع في الفراغ، بمعنى أن مؤسسات المجتمع وهيئاته لها دور متعاظم في دفع المجتمع إلى الحراك الإيجابي والصحي عبر تعبيد الطرق وتهيئة الأجواء أمام الصحافة لإطلاع الناس على كل ما يخص حياتهم، كبيرها وصغيرها.

الديباجة السالفة الذكر جاءت نتيجة تفاقم ظاهرة »أولاد البطة السوداء« التي بات يعاني منها كثير من الصحافيين العرب في الدولة. والبطة السوداء لا تطالعنا بمشيتها العرجاء إلا إذا كان الشأن الخبري المراد تغطيته يتنافس عليه صحافيون عرب وأجانب.

هنا فقط يكتشف الصحافي العربي، مواطناً ومقيماً، أنه من سلالة البطة السوداء التي لا ثمن لها ولا صاحب، وذلك عندما يتعرض لمضايقات من أصحاب الصلة المباشرة بالحالة الخبرية، تحرمه من المتابعة الدقيقة واصطياد المعلومات الانفرادية من الكواليس التي غالباً ما تفتح على مصراعيها لذوي الشعر الأصفر والعيون الزرق، الأمر الذي سمح بإشاعة: »إنهم يخافون الصحافيين الأجانب لأنهم يعرفون كيف يحصلون على حقوقهم المهنية«.

وجه ثانٍ للمشكلة وهو أن بعض المؤتمرات الصحافية التي تُعقد لضيوف أجانب نجد أن المترجم، إن وُجد، لا يقوم بدوره كاملاً، فتارة يترجم، وأخرى يتوقف، وثالثة تشغله بعض الأمور عن متابعة كلام الضيوف، فيفقد الصحافي العربي حماسه في توجيه الأسئلة والاستفسارات مكتفياً بالنشرات العربية الروتينية.

وجه ثالث للإشكالية لا يصل إلى حد الانزعاج، لكنه يستحق التساؤل على أضعف الإيمان، وهو خاص بالمواقع الالكترونية التي تبث أخباراً محلية، خاصة الاقتصادية، باللغات الأجنبية، فيضطر المحرر أنيطلب من المترجمين بجرائد الدولة ترجمتها. ولا أفهم كيف نترجم خبراً محلياً إلى اللغة الأصلية للمجتمع صاحب الخبر، خاصة أن المصدر الحقيقي للمعلومة عربي جداً!

حقيقة الأمر لا أدري ما هو الحل؟ هل هو عقد دورات تدريبية للغات الأجنبية للصحافيين العرب حتى يتجنَّبوا هذه المنغصات؟ أم أن ثمة دوراً ينتظر جمعية الصحافيين لحل أحد جوانب المشكلة؟ عموماً في ما يخص الصحافيين المطعونين بعقدة الخواجة وحظوته نرى أن الحل الأمثل يجب أن يكون على طريقة »المضحكات المبكيات« وهو أن يذهبوا وهم يرتدون باروكات الشعر الأصفر وعدسات العيون الملوّنة، وأن يبدأوا يومهم بـــ »هاللو« لعل وعسى تختفي البطة السوداء من إحدى بقاع الصحافة المحلية.