عندما يؤكد رئيس المجلس الوطني الكردي في العراق استحالة قيام دولة كردية لأسباب تتعلق بالجغرافيا السياسية, داعياً أعضاء »مؤتمر استقلال كردستان« إلى النظر إلى الأمور بواقعية وموضوعية فيما يخص المطالبة بإقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق..
وعندما يقول أمام المؤتمر الذي عقدته »منظمة المؤتمر القومي الكردي في شمال أميركا« في مدينة »اربيل« في شمال العراق : »إنه بالرغم من أن كردستان فيها مقومات لتشكيل دولة إلا أن الجغرافيا السياسية هي التي تشكل العقبة الرئيسية أمام هذا الطرح«. فإن ذلك ينبع من رؤية تحليلية موضوعية توضح أن مصلحة الشعب الكردي في ظل طبيعة الجغرافيا السياسية المعقدة إنما تتحقق بالاتحاد في إطار عراق موحد بكل قومياته, وأديانه ومذاهبه, وليس بالانفصال في دولة لن يكون لها اتصال بدول المحيط الإقليمي ولا بدول العالم.
وربما عبر عن ذلك المعنى من قبل الزعيم الكردي المخضرم »جلال طالباني« الذي يشغل حاليا موقع رأس الدولة العراقية، حين أشار في حديث تلفزيوني منذ أيام إلى أن الكرد قد اختاروا بإرادتهم البقاء مع إخوانهم العرب وغيرهم من القوميات في إطار العراق على أساس اتحادي, لأن مصلحة الكرد هي في ذلك، إذ ماذا يمكننا أن نفعل إذا ما أعلنا غداً عن دولة مستقلة وقامت دول الجوار الجغرافي بإغلاق الحدود؟ لا يمكن لمثل هذه الدولة الاستمرار معزولة عن الجوار والعالم.
هذا لا يعنى أنه ليس لدى تيارات كردية أخرى عريضة دعوات للاستقلال، بل إن دعوة رئيس البرلمان الكردي عدنان المفتي كانت في مؤتمر يسمى »استقلال كردستان«، وان دعوته للعقلانية والموضوعية إنما كانت موجهة لإخوانه الكرد الداعين إلى الانفصال، والذي كان من بينهم »محمد ملا قادر« عضو المكتب السياسي للحزب الوطني الكردستاني الذي قال في ذات المؤتمر: »إن المطالبة الكردية لن تتوقف عند الفيدرالية بل تتعداها إلى الاستقلال«.
وإذا كانت الظروف الذاتية والموضوعية ترجح البقاء في العراق الموحد من وجهة النظر الكردية الرسمية، فإنني كعربي يهمه وحدة واستقلال وسلامة العراق ومن وجهة نظر غير رسمية أقول.. إنه بدون أي مقدمات ولكن بالعديد من الشواهد هناك حقيقة مهمة علينا جميعاً ألا نغفلها وهي تتمثل في حق الأكراد في تقرير مصيرهم إما في إطار الدولة العراقية الموحدة أو بخيار دولة مستقلة..
فواقع العراق كما نعلم يتكون من عدد من القوميات والديانات والمذاهب أبرزها العرب والأكراد والأتراك والمسلمون والمسيحيون والصابئة والسنة والشيعة إلا أن جميع هذه القوميات والديانات والمذاهب يمكن وضعها في إطار واحد باستثناء الأكراد بمختلف تياراتهم.
فمفهوم الدولة الحديث يعني وجود أرض يعيش عليها مجموعة من السكان مختلفي الأعراق أو الديانات أو المذاهب أو الأيديولوجيات مجتمعين على ميثاق وطني موحد وأهداف عليا يشتركون في المصير والسلطة ويمارسون حق المواطنة بصورة متساوية دون النظر إلى دينهم أو عرقهم أو مذهبهم. فماذا إذا لم تتوافر هذه الشروط؟
إن أكراد العراق الذين هم جزء من العراق الذي هو جزء من الأمتين العربية والإسلامية كغيرهم من العراقيين غير العرب لهم في الواقع وضع خاص, فلا هم دولة مستقلة، ولا هم ضمن السلطة الفعلية للحكومة العراقية, لكنهم يتمتعون بإدارة مستقلة بذاتها تحكم نفسها بنفسها ولديها جيشها المستقل وإن كان البعض لا يعتبره بالمسمى جيش.. وهذا بعكس أي طائفة قومية أو دينية أخرى حيث ينخرط الجميع في الدولة العراقية ويخضعون لحكمها المركزي وتسري عليهم قوانينها, وإن كانت بعض المناطق الشيعية المقدسة تحظي بشيء من الخصوصية إلا أنها لا تصل لمستوى الإدارة المستقلة حتى بوجود ميليشيات عسكرية لبعض الطوائف.
والأكراد الذين يرفعون »علمهم« الخاص في شمال العراق لم تبدأ مطالبتهم بالانفصال في عهد الرئيس السابق »صدام حسين« الذي أسرته القوات الأميركية بعد غزو العراق كما يتصور الكثيرون بسبب القهر، ولكنه مطلب قديم سابق على ذلك العهد بعقود تعبيرا عن حلم قومي قديم للأكراد.
فقد كان هناك العديد من محاولات التمرد المسلحة بهدف الانفصال قبل ذلك بسنوات طويلة في العهود السابقة، نجحت في صناعة شيء من الاستقلالية للأكراد إلا أنها لم تنجح في تحقيق الحلم الأكبر وهو الدولة الكردية.. بل إنهم نالوا في عهد صدام من الحقوق سواء في الدستور أو على الأرض طبقا لاتفاقية الحكم الذاتي ما ينفي أن قضيتهم الأساسية كانت مع صدام حسين بقدر ما كانت مع حلمهم القومي من جهة، ومع التوازنات الإقليمية المحيطة بهم من جهة، ومع المؤامرات الدولية عليهم أو على العراق لا فرق.
وبعكس الأكراد، فلم تكن محاولات الشيعة هي اقتطاع جزء من العراق وتحويله إلى دولة شيعية ولكن كانت محاولة لتحويل العراق »كله« إلى دولة شيعية من خلال السيطرة على الحكم.
وكما عرفنا الدولة من قبل فإن الأكراد في العراق يمتلكون مقومات الدولة المستقلة إلا شيء أساسي واحد هو ان مثل هذه الدولة التي لن تحظى بقبول إقليمي سوف تسجن الشعب الكردي في سجن كبير في ظل حدود مغلقة مع كل دول الجوار، مما جعل العقلاء السياسيين الأكراد لا يرون مصلحتهم ومستقبلهم إلا في إطار الوطن العراقي الواحد أو الموحد, لا فرق.
كما أنهم في الواقع كانوا دائماً طرفاً مستقلاً -في معظم الأحداث المهمة التي حدثت في العراق سواء في اتخاذ المواقف أو القرارات أو حتى المشاركة العسكرية, والأمثلة على ذلك لا حصر لها سواء في الاحتلال البريطاني للعراق أو في فترات الاستقلال ما قبل صدام أو أثناء حكم صدام نفسه وأخيراً في ظل الاحتلال الأميركي للعراق.
ويأتي أيضاً سبب جوهري آخر هو من أهم النقاط التي تثير أكراد العراق في الشمال وهو منابع النفط الموجودة في الشمال والذي يعد المصدر الرئيسي للدخل العراقي, والذي يثير شهية النوازع والأطماع الدولية أو الإقليمية
ومع تمسكنا جميعاً بوحدة العراق أرضاً وشعباً ورفضنا ورفض الطوائف الأخرى في الشعب العراقي لانفصال الأكراد ومع ما طرأ على أرض الواقع من تغييرات جذرية على الساحة العراقية وحدوث مفاجأة كبرى هي تولي كردي لمنصب رئيس الجمهورية في العراق ليكون أول كردي يحتل هذا المنصب في تاريخ العراق, ومع صياغة الدستور الجديد.. أرى أنها تدفع أكراد العراق للبقاء ضمن العراق الموحد.
وختاماً فإن السعي نحو بقاء وحدة أراضي العراق واستقلالها هو مطلب كل من يخاف على مصلحة هذا البلد في داخل العراق أو في محيطه العربي والإسلامي، ولكن الواقع يفرض نفسه بمعطيات قد تفرض على الجميع حلولاً وطنية توافقية تراعي العدالة في توزيع السلطة والثروة بين جميع المواطنين العراقيين بغير تمييز أو تهميش أو إقصاء لأي من القوى الوطنية الشعبية العراقية على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الانتماء السياسي، على أن يجري التوصل إليها بالحوار الوطني الديمقراطي البعيد عن الأجندات والسيناريوهات الأجنبية التي لا تستهدف للعراق وحدة ولا قوة ولا أمناً ولا استقلالاً حقيقياً، وهذا الوفاق الوطني العراقي هو ما تسعى إلى تحقيقه الجامعة العربية وما يتحرك في الطريق إليه عمرو موسى الأمين العام.
كاتب مصري