عندما سقط شاه إيران في العام 1979، كانت الولايات المتحدة لا تعرف خلفاءه. كان الإسلاميون الإيرانيون عدواً غامضاً. واتضح فيما بعد ان إسقاط الشاه لم يكن إلا تعبيرا عن عداء أعمق ومتأصل لحلفائه الأساسيين باعتبارهم مصدر شرور نظام الشاه.

في العام نفسه، سقط نظام انستازيو سوموزا في نيكاراغوا على يد ثوار شبان في الثلاثينات من أعمارهم، قادة جبهة »الساندينستا«. وتطلب الأمر سنوات طويلة من دعم مرتزقة »الكونترا« والضغوط السياسية والحصار الاقتصادي قبل ان يقبل قادة الساندينستا منتصف التسعينات بإجراء انتخابات جاءت بنظام اقل عداء للولايات المتحدة. ربما أن أميركا اللاتينية والجنوبية ذات خصوصية اكبر، ففي الحديقة الخلفية للولايات المتحدة لا تجد الدبلوماسية فرصة كبيرة للتعامل مع سقوط الحلفاء بل الهستيريا.

المعضلة وقتذاك كانت واضحة: الولايات المتحدة لا تملك أية صلات مع الأعداء الداخليين لحلفائها. أولئك الحكام المحتملون في المستقبل لأنظمة استبدادية حليفة للولايات المتحدة.

سقوط الشاه، اوجد حاجة ماسة لصلة من نوع ما مع خلفائه، فالمصالح اكبر من الأفراد وكانت المحاولة تستحق العناء لكنها أكدت النتيجة نفسها. بدأت المحاولة مع رفض إدارة كارتر دخول الشاه لأراضيها إلا بعد مشقة وبعد أن أنهكه المرض وبدا واضحا انه يقترب من نهايته.

جاءت محاولة أخرى، فمحاولة استمالة إيران أو كسب ودها عبر شبكة قنوات سرية في الثمانينات، لم تسفر عن شيء. اتضح ان عداء الإسلاميين الإيرانيين للأميركيين مستحكم، فهم الذين سربوا أنباء صفقة صواريخ ستينغر التي اشرف عليها عقيد الاستخبارات اوليفر نورث عبر إسرائيل.

المصالح التي تحتم مثل هذه الصلات لا تتغير، لكن أسلوب التعامل هو الذي تغير. النفط، الصراع مع السوفييت،الأسواق ومصادر الثروة هي نفسها لم تتغير، لكن الأميركيين يجربون اليوم صيغة أخرى. لقد تغير الأعداء أيضا.

لنقرأ مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على نحو آخر. فهي ليست مشروع مارشال للمنطقة رغم أنها تقوم على الفهم نفسه: مجموعة برامج تقوم على مساعدة حلفاء وأنظمة صديقة. مشروع مارشال كان يرمي إلى إعادة بناء أوروبا حليفة للولايات المتحدة. لكن الأوروبيين لم يكونوا بحاجة لمن يعلمهم الديمقراطية والحكم الرشيد وترسيخ حقوق الإنسان وتطوير مناهج التعليم. إنها دول تنتمي إلى ما كان يسميه الأميركيون العالم الحر.

لكن الفارق هنا في مبادرة الشراكة، ان البرامج التفصيلية في ميادين عديدة أدخلت عنصرا جديدا لم يكن بالحسبان في عقود الحرب الباردة: المجتمع المدني في دول المنطقة.

إنها تقوم أساسا على محاولة دفع الأنظمة للإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي عبر شراكة مع مجتمعها المدني. وإذا ما تجاوزنا تلك الصيغ الفضفاضة لهذا التعريف، فان المجتمع المدني في بلدان المنطقة تقوده نخب ظلت تواجه عسف الحكومات واستبدادها وهي إلى هذا تملك مشاعر عداء للولايات المتحدة. لكن هذه الشراكة موضع ترحيب من قبل هذه النخب وسواء تعلق الأمر بانحياز واشنطن وعماها الأخلاقي حيال إسرائيل أم احتلالها المخزي للعراق، تتراجع شحنة العداء قليلا لدى النخب لان تحسين أوضاعها الداخلية أكثر إلحاحا من صراع بعيد مهما كانت تمثلاته العاطفية.

ان هذه الشراكة تذهب إلى ما وراء المساعدة والدعم، إلى تفاصيل تمس الثقافة وكيفية صياغة وعي الأجيال الجديدة. العنوان الأبرز لهذا كله: محاربة التطرف وتشجيع الاعتدال.

ولان الاعتدال لا تنتجه إلا معيشة حسنة، فان التركيز يتم على تحسين أداء الاقتصاد وإيجاد فرص العمل وزيادة معدل الرفاهية، وليس من وسيلة أفضل من توسيع قاعدة الفئة الوسطى. في نهاية المطاف، فان تلك المطالب القديمة المؤجلة بالإصلاح في البلدان العربية أصبحت في صميم جدول الأعمال الأميركي في هذه المنطقة. ماذا يعني هذا؟.

في تفصيل مثل الذي نحن بصدده، فان هذا يعني ان مسار نمو وتطور مجتمعات المنطقة بات له أجندة واضحة ووجهة واضحة. عدا عن هذا فان الولايات المتحدة بدخولها في هذا المسار بل وتحكمها فيه، باتت تملك صلات على مستويين: مع الحكومات ومعارضيها أيضا. بل يمكن توقع المزيد، فهذا المسار من شأنه تذويب الخصومات عبر دفع كلا الطرفين إلى سلوك أفضل وأكثر ايجابية وتهذيب الحياة السياسية عبر دمقرطتها. النتيجة السياسية المباشرة هي انكشاف التطرف عبر ترسيخ الاعتدال، لكن في المحصلة النهائية فان واشنطن باتت تملك قدرة اكبر على التأثير. أي بعبارة أخرى، مزيد من الحصانة أمام التغييرات المفاجئة.

اعتقد ان أهمية هذا الاستنتاج لا يمكن تبينها إلا باستحضار منطقي لما هو اكبر منها: المصالح.

لقد كان النفط والأسواق وسيبقى الأمر كذلك، بل إن مقدار الاهتمام وتصاعده لا ينبئ إلا بالرغبة المتزايدة لحماية المصالح بشكل يقترب من الضرورة الملحة. ليست أسعار النفط هي الوحيدة التي يمكن أن تفسر الحاجة لسياسات جديدة، بل حقائق أخرى أكثر إقلاقا: الطلب المتزايد ومتطلبات النمو الاقتصادي وعدم توفر البدائل على المدى القصير والمتوسط.

كاتب بحريني