بعد افتضاح الجريمة على مستوى الإعلام العالمي اضطرت إدارة بوش أخيراً إلى الاعتراف باستخدام مادة الفوسفور التي تذيب اللحم الآدمي والعظم في عمليتها العسكرية المطولة ضد أهل مدينة الفلوجة العراقية العام الماضي.
وننتهز هذه المناسبة اللاإنسانية لنتساءل: أليس عجيباً أنه بعد عملية غزو أميركية للعراق خارج إطار الشرعية الدولية ومصرع ما ينيف على مئة ألف عراقي مدني واعتقال آلاف آخرين يتعرضون لأبشع ألوان التعذيب بشقيه الجسدي والنفسي بما في ذلك استخدام كلاب مدربة وارتكاب إساءات جنسية يعجز العقل عن تصنيف مدى وحشيتها.. أليس عجيباً بعد كل هذا، مع بقاء القوات الاحتلالية الأميركية تنشر الدمار، ان يحجم سياسيون ومثقفون عرب عن تصنيف المسلك الأميركي كضرب من الإرهاب؟
أليس الأعجب ـ والأشد إشانة ــ أن يعمد نفس هؤلاء السياسيون والمثقفون إلى دمغ عناصر المقاومة العراقية بالإرهاب؟
على خلفية ما يجري في العراق لمدى عامين ونصف العام حتى الآن وما يجري في الأرض الفلسطينية المحتلة لمدى أكثر من نصف قرن نرى عرباً من الطبقات الحاكمة ومن والاهم من سياسيين ومفكرين وإعلاميين لا هاجس لهم سوى تسويق وتجميل السياسات والممارسات الأميركية والإسرائيلية ــ المدثرة بذريعة محاربة الإرهاب.
الفرد العربي العادي الذي لا يعتنق أفكاراً أيديولوجية متطرفة أو غير متطرفة »أياً يكون معنى هذا النعت« لا يجد لنفسه أي سبب وجيه للنظر إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بعين الود والرضا.
هذا الفرد العربي العادي يتساءل: ماذا أفادت الدول العربية التي تجاوبت مع الضغوط الأميركية لإقناعها أو حملها على الاعتراف بالدولة الإسرائيلية وعقد علاقات متطورة معها بعد تعهد الأنظمة الحاكمة في تلك الدول بأن ترسم سياساتها الداخلية والخارجية على أساس المحافظة على أمن الدولة اليهودية.
في تلك الدول تتضاعف معدلات التدهور الاقتصادي بما يؤدي إلى توسيع نطاق الفقر وانحطاط الخدمات الصحية والتعليمية واستشراء الغلاء في السوق الاستهلاكية، فالمساعدات الأميركية الموعودة تنحصر في ترقية أجهزة القمع الأمني.
ومع ذلك يرى المواطن العادي أن أنظمة لا ترفض طلباً للإدارة الأميركية. فعلى الصعيد الخارجي لم تكتف الأنظمة بتأييد مشروع الغزو الأميركي على العراق بل تطوعت ببذل مساعدات أمنية تحت مسمى المشاركة في الحرب على الإرهاب. أما على الصعيد الداخلي فإن »محاكم أمن الدولة« العاملة بموجب قوانين الطوارئ تواصل عملها على مدار أيام السنة.
من هنا تكون الكراهية الشعبية للولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا ينبع التفكير في أساليب العنف. إن العنف من أجل العنف لا تبرير له إذا اتخذ طابعاً إجرامياً يذهب ضحيته مدنيون أبرياء.
لكن في هذا السباق علينا أن نتساءل: كيف لا يعتبر القتل بالجملة في كل من فلسطين والعراق على أيدي القوات الأميركية والقوات الإسرائيلية مسلكاً إرهابياً؟ وكيف يصنف رد الفعل المشروع عليه كعمل إرهابي؟