طلب جعفر نميري زوجته في التليفون قائلاً: »بثينة.. الجماعة عندي في المكتب.. وسيأتون معي على الغداء.. اطبخي الوريق« و»الوريق« أكلة سودانية شهيرة يطبخونها من أوراق البسلة الخضراء.. لا من حباتها.. أما الجماعة فكانوا صلاح حافظ وهبة عنايت وأنا.. وكان ذلك منذ نحو ربع قرن من الزمن.
كنا في مكتب الرئيس السوداني الأسبق داخل معسكر »الشجرة« الذي استولى منه على السلطة في انقلاب عسكري لم يجد من يقاومه بسبب شدة الحرارة في شهر مايو يتكلم في كل ما يخطر على باله ويحرك في الهواء عصا صغيرة لا تفارقه.. كان يؤمن بأنها تحميه من كل الشرور.. ولم يتردد في أن يروي أنها فقدت منه وهو على وشك حضور مؤتمر شعبي جاء إليه المسؤولون السياسيون من كل أنحاء البلاد.. فاعتذر عن الحضور.. ولم تمر ساعة واحدة حتى اكتشفوا ـــ على حد قوله ـــ محاولة لاغتياله.. »إنها معجزة العصا«.. لولاها لكنت معلقا من رقبتي في ميدان عام«.
كان صلاح حافظ وهبة عنايت يحملان إليه مشروع إصدار مجلة مشتركة تمد جسور التكامل بين البلدين هي مجلة »الوادي«.. لكنه لم يكن مهتماً إلا بالحديث عن ذكرياته ومغامراته الشخصية.. لذلك فإن فكرة المجلة لم تستغرق منه سوى نصف دقيقة.. حسمها بقوله: »شوفوا محمد«.. وكان يقصد محمد محجوب.. مستشاره الصحافي.. وكان شيعيا تنازل عن أفكاره مقابل أن يكون قريباً من السلطة التي جعلته يسيطر على »دماغ« الرئيس بكل تغيراتها وتحولاتها حتى استقرت عند ما وصفه بالنهج الإسلامي.. وقد كان محمد محجوب سيئ الحظ.. فقد مات تحت أنقاض عمارة انهارت من غش الحديد والأسمنت في القاهرة.
ولم تمر سوى ثلاثة شهور حتى صدرت مجلة »الوادي« بطاقم تحرير مشترك من »مؤسسة روز اليوسف« في القاهرة ومؤسسة »الصحافة« في الخرطوم.. ورأسها تحريرها هبة عنايت وفضل الله محمد.. وكنت أنا وشريف طمبل مديري تحريرها.. أما صلاح حافظ فكان الأب الروحي لها.. وأول النافخين في لحمها ودمها.. وأكثر الباعثين على حيويتها.. وأشد المؤمنين بأن نهر النيل ينبع من قلوب السودانيين ويصب في عيون المصريين.. وأن الوحدة بينهما فرض عين سيحاسبنا الله يوم القيامة على إهماله.
وقد سمحت تلك المجلة لي أن أزور السودان مرة كل ثلاثة شهور تقريباً.. لاكتشاف دولة منحها الله كل ما يجعلها »سلة خبز العالم« لكن.. عللها السياسية فرضت عليها أن تمد يدها لوكالة غوث اللاجئين.. كان عليّ الاختيار بين طريقتين لاكتشاف وفهم تلك الدولة الغامضة رغم أهميتها لنا وقربها منا.. أما على طريقة صلاح حافظ الذي كان يحول غرفته في فندق جراند أوتيل إلى »ونسة« يشارك فيها السياسيون والحزبيون والمثقفون والصحافيون ينتقلون فيها من التاريخ إلى الجغرافيا..
ومن الهموم المشتركة إلى الأحلام القائمة.. أو على طريقة هبة عنايت الذي كان يحمل كاميراته وفرشاته وأقلامه ويطوف كل أنحاء السودان مسجلاً باللقطة واللوحة والمقالة ما لا نعرف.. ما يستحيل أن نعرف.. فالسودان بالنسبة لنا في أفضل الأحوال لا يزيد عن الخرطوم.. أما بالنسبة لهبة عنايت فكان قارة مجهولة.. تختلف فيها اللغات واللهجات والديانات والعادات والتصرفات والتخيلات والتقديرات والمؤامرات والانقسامات.. وقد اخترت أن أعرفه على طريقته الصعبة.. الشاقة.. المغرية.
سافرنا معا إلى جوبا والواوي في الجنوب.. والفاشر ونيالا في الغرب.. والملكال والأبيض في الشرق..ركبنا سيارات وطائرات ونمنا في غابات.. داخل بيوت من القش يسمونها »الجطية«.. وكادت طائرة صغيرة تابعة لشركة شيفرون للبترول أن تهوي بنا وهي تحملنا مع صناديق الصابون وشكائر الأرز ومعلبات الطعام إلى المجلد.. في الجنوب الغربي.. حيث اكتشفت هناك اللغط الذي كان سبباً مباشراً في اشتعال الحرب الأهلية فيما بعد.. ولم يسلم الأمر من التيه بحثاً عن أقصر طريق لرؤية قناة جونجلي.. في كل مكان كان هناك سودان مختلف.. لا علاقة له بباقي المناطق والأقاليم.. أحيانا تجد من يستقبلك بالأذان.. وأحيانا تجد في ظهرك حربة.. أحيانا يدعونك على أن تأكل وتنام وتتزوج.. وأحيانا يعتبرونك تاجر عبيد تريد أن تخطف أولادهم وبناتهم.. عالم من الدهشة والروعة والمفاجآت التي لا تنتهي.. لكن.. كان أكثرها قيمة.. هبة عنايت نفسه.
لقد رأيت رسوماته على أغلفة صباح الخير.. وسمعت اسمه »هبة«.. فقلت في نفسي وأنا أتحسس خطواتي الأولى في تلك المؤسسة العريقة: إنها بالفعل مؤسسة متفتحة تسمح للفنانات بما تسمح به للفنانين.. المساواة في رسم الأغلفة.. وكتابة الموضوعات الرئيسية.. لكن.. فوجئت بأن »هبة« مثل »إحسان« و»سعاد« أسماء تصلح للجنسين.. لكن.. الاكتشاف الأهم هو أن هبة عنايت كان شخصاً موسوعياً.. تلقي ثقافته الواسعة من الكتب والسفر والبشر.. ما أن تقول له كلمة ولو عابرة حتى يفاجئك بحجم هائل من المعلومات عنها.. فقط اضغط على زر الكلمة التي تعجبك لتجد ما هو أكثر من الموسوعة البريطانية.. وهو يفعل ذلك ببساطة مغرية تضاعف من جاذبيته وهو يتكلم..وانعكس ذلك على خبراته العملية.. فهو رسام.. وصحافي..وكاتب.. وخبير طباعة.. ومصور فوغوجرافي محترف.. ومنسق لصفحات المجلة.. ومعلم يوصل ما يعرف لمن حوله دون تكلف أو غطرسة.
رجل بهذه المواهب والمواصفات يكون السفر معه متعة لا يمكن تصورها.. ويجعل العمل تحت يده خبرة يسهل اكتسابها..وصداقة لا يمكن التفريط فيها.. وعشرة تحرص عليها.. وصلة عقلية تجعلك واحداً من أسرته الصغيرة.. وهو يفعل ذلك دون أن يطالبك بمقابل.. يفعله كما يتنفس. فهذه هي طبيعته.. وطبيعة جيله الذي كان جيلاً موهوباً.. لا يكف عن تنمية مواهبه.. وأهمها موهبة اكتشاف المواهب الجديدة..ومنحها فرص النمو والبريق والاختلاف معه..إنه مثل إحسان عبد القدوس وحسن فؤاد وصلاح حافظ وعبد الغني أبو العينين.. يحسب عمره الواحد منهم بعدد الموهبين الذين قدمهم للمجتمع دون خوف ولا تردد.
وهبة عنايت صعيدي من أسيوط.. ورث الرسم عن أبيه.. لكنه ضاعف من موهبته بالدراسة في كلية الفنون في القاهرة.. ثم في كلية الفنون في بكين.. ففور أن تخرج في الكلية المصرية طار هو وزوجته الفنانة التشكيلية تماضر ترك إلى الصين في بعثة للدراسات العليا وعندما عاد بدا متأثراً بتلك الدولة البعيدة في كل شيء.. دأبه في المعرفة.. صبره في حل المشاكل..دقته في العمل.. رغبته في التجديد.. تقبله للمتاعب دون غضب.. وتصور البعض أن تأثره بالصينيين وصل إلى حد تغير ملامحه لتصبح مثل ملامحهم.. والحقيقة أن ذلك غير صحيح.. فملامحه الآسيوية سببها جذوره الإيرانية التي ينتمي إلى بعض منها بالميراث الإنساني العريض.
جاءت عائلته من إيران.. وتربى في مصر.. وتعلم في الصين.. وسافر للعمل سنوات في بريطانيا.. وجن بالسودان.. فكان لابد أن يحتضن الدنيا كلها في لوحة يرسمها..أو جملة يكتبها.. أو لقطة يصورها.. أو قضية يتبناها.. أو شخصية يتعرف عليها.. أو فكرة يروج لها.. وهو ما جعله يحمل اللقب المصري الشهير »سبع صنائع«.. لكن البخت غير »ضائع«.
لقد كان يذهلني وهو يحمل »شتلة« شجرة باباي من أعماق إفريقيا ليزرعها في حديقة بيته بالمعادي.. وكان يدهشني وهو يدير قصر ثقافة أسيوط بتنفيذ أعمال النجارة في ديكور مسرحية كتبها مؤلف شاب ويمثلها فنانون غير معروفين.. وكانت متعتي بلا حدود عندما أجلس بينه وبين صلاح حافظ وهما يتباريان في كشف مواهب الطهي المجهولة في خبراتهما وكيفية تحويل الفتة بالكوارع من طبق شعبي إلى أكلة عالمية يمكن لمصر أن تفتخر بها بين الأمم وهى مباراة لا تقل سخونة ومتعة عن مباراة أخرى في عرض الحكايات الساحرة والنكات الساخرة..
فإذا ما انضم إليهم جمال كامل بروحه التشكيلية الرقيقة تلونت السهرة بألوان مائية شفافة.. ولو جاء حسن فؤاد بعينيه الثاقبتين ليتحدث عن موهبة جديدة اكتشفها فإن »فرسان المائدة المستديرة« يكونوا قد اكتملوا. في صدفة قدرية رتبتها لي العناية الإلهية كي أعيش وأتنفس وأتعلم ملايين الحروف والكلمات والأشياء والخبرات من هؤلاء العمالقة البسطاء وأكون تلميذاً وصديقاً لهم.. دون أن أكون عبداً لهم.
لقد سافر جمال كامل وحسن فؤاد وصلاح حافظ إلى العالم الآخر.. وهبة عنايت قد لحق بهم مؤخراً ليضيف إلى معرفته ما يجرى هناك.. فالمعرفة تثير الفضول ولو كان الثمن هو الموت وفراق الحياة.
كاتب مصري