وضع حد لممارسات البعض في استغلال حاجة البشر سواء للسكن أو الطعام أو التعليم، قرار جاء في الوقت المناسب، خاصة أنه قرار الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع. لقد تنفس الجميع الصعداء، وخاصة ذوي الدخل المتوسط، ومن يعملون في القطاعين العام والخاص. كانت موجة ارتفاع الأسعار، قد شكلت ظاهرة ملفتة للنظر، وبشكل جنوني، ربما كان أكثر خطورة من مرض جنون البقر.

ومن خلال متابعة انعكاسات ذلك، زادت نسبة الهجرة المعاكسة من الإمارات، والعودة إلى الوطن الأم، لدى كثير من الإخوة العرب، كما فضل كثير من أرباب الأسر، العودة إلى الحياة كعزاب بعد أن أعادوا أفراد أسرهم إلى أوطانهم بدلاً من الوقوع تحت طائلة عدم الوفاء بتوفير المستلزمات الضرورية لأسرهم.

وبحسبة بسيطة، كان قرار إعادة أسرهم إلى أوطانهم أرحم بكثير من بقائهم في ظل غول ارتفاع الأسعار، سواء ما كانت له علاقة بالمواد الغذائية، والمسكن أو التعليم. آخذين بعين الاعتبار أن قرار عدم السماح »للوافدين« (وكان المقصود به الإخوة العرب)، بالدراسة في المدارس الحكومية، قد شكل هماً اقتصادياً جديداً على كاهل أرباب تلك الأسر، التي وجدت في الإمارات مكاناً آمناً، وتعزز لديها الشعور بالولاء لهذه الأرض، والمحبة لشعبه، الذي من صفاته الأساسية التلاحم وحب الغير، فما بالك بمن يشترك معهم لغوياً وثقافياً ودينياً.

إن هؤلاء البشر، قد جاؤوا إلى منطقة الخليج والجزيرة العربية، في مراحل ما قبل النفط، وتحمل الكثير منهم قسوة الحياة، بدلاً من البحث عن بدائل في الهجرة إلى أماكن أخرى قد تمنحهم امتيازات أكبر. إلا أن إيمانهم المشترك، بأهمية البقاء حيثما توجد ثقافة واحدة جعلهم يتمسكون بالحياة على أرض الإمارات ليقدموا خدمات مهمة لأبنائها سواء في مجال التعليم، أو الصحة أو غيرها. كان المواسي لأولئك الأوائل القادمين من الشام أو مصر أو السودان أنهم بين أهلهم وذويهم، وكانت المنطقة الملاذ الآمن لأهلنا من فلسطين بعد نكبة 1948 م.

حيث كان الفلسطينيون الذين غادروا بلادهم مكرهين، من أوائل العرب، الذين وفدوا إلى دول الخليج العربية، متحملين المصاعب الجسام للوصول إلى شاطىء الأمان. ومن منا لا يذكر، رائعة غسان كنفاني »رجل تحت الشمس« عن أولئك المهاجرين الذين اضطروا للاختباء في صهريج البترول، لاجتياز الحدود، فدفعوا حياتهم لتلك الرحلة نحو الخليج الآمن.

ولعل جيل الخمسينات والستينات لا يزال يتذكر أولئك المدرسين الأوائل ممن عاشوا معنا في أحلك الظروف، وقدموا لتلك الأجيال خدمات تعليمية لا يمكن أن ينساها إنسان لديه ذرة من الوفاء. من هنا يمكن أن نتفهم، لماذا نجد أن الجيل الأول، من مثقفي الإمارات ومتعلميها، مشبع بالأفكار العربية القومية، ومتحمس لقضايا الوطن العربي، لأنه نهل هذا الفكر الذي حمله المدرسون القادمون، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم، أصحاب رسالة بث الفكر القومي في نفوس شباب دول الخليج العربية. وقد نجحوا في ذلك إذ إننا نجد أن أبناء الخليج مازالوا الأكثر تماساً بقضايا وطنهم العربي، مع كل الاحباطات والمصائب التي أصابتهم، ممن يدعون أنهم حملة الفكر القومي.

وفي الوقت نفسه، لابد من الاعتراف أن مجتمع الإمارات، من المجتمعات التي ساد فيها روح التعايش بسلام بين قوميات مختلفة، سواء من العرب أو غيرهم، من الأمم الأخرى، وكانت روح تقبل الآخر هي السائدة، ولم يكن هنالك مجال للنظرة الدونية للآخر.

إن التلاحم والتراحم، بين أبناء الأمس، وأبناء اليوم، لم يكن من المتوقع أن يؤدي إلى اتخاذ قرار يحرم أحفاد أولئك العرب، من حق التعليم في المدارس الحكومية. مازال الكثيرون يجهلون كيف اتخذ ذلك القرار العجيب؟، ومن أي منطلقات؟، في ظل تزايد عائدات النفط، وبالتالي وجود فائض مالي هائل. هل يعقل أن يتم وضع أبنائنا في معسكر معزول عن بعدهم الإنساني والحضاري. إن الأجيال لن تنسى أبداً، مدى الإساءة التي ارتكبها بحق الوطن والمواطنين وأبنائنا هذا الذي فرض على أبنائنا »الغيتو« وحرمهم من نعمة الاحتكاك والمنافسة.

لعل من المفيد أن نعود إلى المربع الأول في عملية خلق التوازن بين مكونات مجتمع جديد في ظل رؤية جديدة، رؤية تسعى إلى حفظ التوازن في المجتمع. فلا يعقل في ظل هذه التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أن يكون البعد الأمني الداخلي، بعيداً عن الصورة. إن الأوليات الأساسية أن يشعر الإنسان بالعدالة، والاستقرار، ومن ثم بدافعية للإنتاج، والعمل، إذ كيف يمكن لإنسان أن يكون معطاء ومنتجاً في ظل عدم شعوره بأنه قادر على الوفاء بمسؤولياته بتوفير السكن، والطعام والتعليم لأقرب الأقربين إليه وهي العائلة، والسؤال المطروح على القيادات الجديدة، في هذا المجتمع، كم هو سعر توفير تعليم جيد ومتطور لأهم شريحة في المجتمع سواء للمواطنين أو من ينتمون للثقافة نفسها؟

وكم نسبة الذين يستطيعون توفير متطلبات هذا التعليم الجيد؟ وما هي المخاطر التي ستترتب على أجيال المستقبل، إذا عجزنا عن توفير ذلك التعليم الجيد لأبنائنا؟

وإلى متى سنظل نرجع العلة أو السبب، إلى عجز الميزانية؟، هل نحن نعيش في بلد من البلدان الفقيرة؟ وحتى تلك الدول تعطي الأهمية القصوى للتعليم، وتصرف جزءاً لا يستهان به من ميزانيتها في هذا المجال الحيوي. آخذين بعين الاعتبار المقولة الأساسية، إن الإرهاب والتمرد قد يكون الفقر والجهل أحد أهم أسبابهما، وإن العقلية العلمية، والإنسان المتعلم، قادر على قتل تنين الإرهاب،، ومقولة سيدنا علي رضي الله عنه حينما قال: »لو كان الفقر رجلاً لقتلته« تحمل المعنى نفسه. ومن المعلوم أن الفقر قد يكون في الجوانب الاقتصادية أو الثقافية أو التعليمية أو غيرها من المجالات.

والسؤال الأساسي: من يبدأ في قيادة الثورة الجديدة في خلق إنسان متعلم؟، إنسان يشعر بأنه نال حقه من الحياة في مجال التعليم. وإن الاستثمار الحقيقي هو في خلق إنسان متعلم، وتوفير سكن ملائم وبسعر غير تعجيزي، والقضاء على جشع أولئك الذين يستغلون حاجة البشر، دون الأخذ بعين الاعتبار، أن الحياة في ظل العدالة والرحمة، هي التي تحفظ الاستقرار، وما سوى ذلك فهو المعول الذي يهدم.

Almutawa_mohammed@hotmail.com

وحدة الدراسات والبحوث