لا يزال العراق ينزف، ولا تجف الدماء التي تسيل على أرضه التي نبتت فوقها واحدة من أعرق وأهم الحضارات الإنسانية على مر العصور. العراق ينزف، والمسؤولية تقع في المقام الأول على من دسوا أنوفهم في شؤونه سواء من داخل حدود منطقتنا العربية أو خارجها.

لن يجدي الآن أن نقول إن الحرب التي شنت على أرض الرافدين كانت خطأ كبييراً، المهم الآن هو تصحيح الخطأ. وهذا ما يدركه الأميركيون العقلاء، وكذلك العرب الذين التزموا الصمت على ما يحدث للعراق على مدى 32 شهراً تقريباً، هي عمر المأساة.

الأميركيون العقلاء وضعوا النقاط فوق الحروف، وهم أولئك الذين يرون أبعاد الصورة الآن بكل وضوح من دون أن تكون لهم مصلحة سوى تصحيح هذه الصورة وتحسين سمعة بلادهم أمام المتضررين من سياستها، بل وإنقاذ الجنود الأميركيين من السقوط في مستنقع لا يمكن النجاة منه ماداموا يحاربون بلا هدف يستحق التضحية.

هؤلاء العقلاء في طليعتهم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، الذي لخص المأساة في جملة بليغة، عندما قال إن أبرز أخطاء الاحتلال التفكيك الكامل لهيكل السلطة في العراق، بما في ذلك الجيش العراقي الذي لم يكن جيشاً لصدام ولأي نظام، بل جيش الشعب والأمة العربية.

من العقلاء أيضاً عضو مجلس النواب الأميركي جون مورثا، وهو ضابط ومحارب سابق اكتوى بنيران حرب فيتنام، ويدرك مخاطر الحروب، فقد اعترف نيابة عن المتكبرين من صقور العسكرية الأميركية بأن بلاده لا تستطيع تحقيق المزيد في العراق عسكرياً، وان عليها الانسحاب فوراً.

الأميركيون راحلون، راحلون، إن آجلاً أو عاجلاً، وكلما أسرعوا في الخروج من المأزق العراقي نجوا وسلموا وخفت حدة خسائرهم، التي لم يلعن عن بعضها، وكلما أطالوا إقامتهم دفعوا الثمن غالياً. في أي الأحوال، القضية التي تشغلنا، نحن العرب، الآن هي مصير ومستقبل أبناء العراق الذين يخشى عليهم كل عربي ومسلم مخلص لعروبته وإسلامه من التشتت والفرقة والإنقسام الذي لن يجلب لأرض الرافدين سوى تمزيق أوصال بلد عربي، كان وسيظل له شأنه ودوره المؤثر على مر العصور.

أخيراً أيقن العرب بهذه الحقيقة، مثلما أدرك معظم الأميركيين حجم الكارثة التي يمكن أن تحل بهم إن بقوا طويلاً في العراق، فاليوم تستضيف أرض الكنانة، برعاية جامعة الدول العربية، المؤتمر التحضيري للوفاق والمصالحة العراقية على مستوى وزراء خارجية الدول العربية إلى جانب إيران وتركيا وممثلين عن الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والدول دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي، ونأمل من المؤتمر أن يكون فرصة لإعادة الحسابات وإدراك ان الإبقاء على وحدة وتماسك العراق هو في مصلحة أبناء الرافدين ومعهم العرب، وتلك هي الأرضية أو القاسم المشترك الذي يجب أن يجتمع عليه الأشقاء العراقيون.

إن هناك من يتصور أنه لا جدوى من مؤتمر القاهرة، ومثل هؤلاء لا يضمرون خيراً للعراق، بل يسعون إلى تمزيقه.

الفرصة مؤاتية الآن لفتح صفحة جديدة يجتمع من خلالها العراقيون على قلب رجل واحد، وإذا ضاعت الفرصة فقد تزداد الأمور سوءاً، ولن يستفيد في تلك الحالة سوى أعداء الوطن الذين يريدونه أشلاء ممزقة.