المسيرة الحاشدة التي تنادى الاردنيون اليوم لجعلها بمثابة موقف حسام ضد الارهاب تمثل في الواقع الوحدة والصلابة في مواجهة كل عدوان كبر او صغر يستهدف أمن واستقرار ومبادئ وقيم هذا البلد.
الذي اعطى الدرس بعد الدرس بانه عصي على كل المؤامرات ما ظهر منها وما بطن، وانه اسرة واحدة بل جسد واحد اذا اشتكى منه عضو تداعت له بقية الاعضاء بالسهر والحمى، وذلك هو مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم.
نعم هذا هو بلد الايمان والمؤمنين الاتقياء الذين لا يقبلون فكرة ان الغاية تبرر الوسيلة، ويعلمون علم اليقين بان الوسائل الوضيعة لا يمكن ان تقود الى اهداف عظيمة، ولذلك فان الاغلبية العظمى من الاردنيين لم يقبلوا ولم يتعاطفوا مع قتل المدنيين والنساء والاطفال العزل في اي مكان من هذه الدنيا.
كل ما في الامر ان حال العراق قد اختلط على كثير من الناس في العالمين العربي والاسلامي، ولكنهم في قرارة انفسهم الطيبة كانوا يميزون بين التعبير عن رفض الاحتلال -كل احتلال- وبين الجماعات الضالة من مرضى النفوس واعداء الحياة والمفسدين في الارض.
النموذج الاردنـي في التصدي والرد على تلك الجريمة النكراء التي وقعت في ثلاثة فنادق الاسبوع الماضي يعطي لكل الشعوب التي تتعرض للارهاب الوصفة الوطنية الناجعة في كيفية اسماع صوتها لأولئك القتلة وتأكيد موقفها الحازم في وجه خطتهم اللئيمة واسلوبهم الدموي.
فقد وقف الاردنيون وقفة رجل واحد ليلة الجريمة فشاركوا بعمليات الانقاذ والاسعاف والتبرع بالدم ومواساة اهالي الضحايا، وكان يوم امس شاهدا على عمق هذا الموقف حين شيعوا جثمان الشهيدة والدة العروسة التي ذهبت ضحية تفجير حفل الزفاف الحزين.
وما زالت برقيات ومواقف التعاطف والمواساة ترد على قائد مسيرتنا جلالة الملك عبدالله الثانـي بن الحسين من كل حدب وصوب مقرونة بالاحترام والتقدير لمواقفه المناهضة للارهاب .
وجعله الاردن قلعة حصينة في وجه الارهابيين الذين وان استطاعوا النفاذ الى مواقع مدنية والى حفلة عرس بأسلوبهم الدونـي الجبان فانهم مدينون له بالثأر وسوف يدفعون الثمن باهظا لا محالة باذن الله المنتقم الجبار.
يعرف الاردنيون ان الارهابيين لا دين ولا جنسية لهم وان صدورهم المفتوحة على الوسواس الخناس خالية من اي نبض او حس انساني رقيق، فهم لذلك يطوقونها بالاحزمة الناسفة لانهم بلا قلب، واغلب الظن انهم يسعدون باحزان الاخرين ويسعون لبث الفرقة في صفوف الناس.
وهذا مع ما سعوا اليه من محاولة لتأليب الاردنيين على العراقيين المقيمين في بلدهم الثاني فكان الرد كذلك حازما وقويا تم التعبير عنه بشكل يومي مثلما حدث يوم امس في سحاب حين خرجت جموع المستثمرين والعمال من ابناء الاردن والعراق في مسيرة مشتركة للتعبير عن ادانتهم للجريمة والاصرار على مواصلة العمل والعطاء والانتاج.
اننا نوجه الدعوة لكل الاردنيين والعرب والاخرين من الشعوب الصديقة المقيمين هنا للمشاركة في مسيرة الوطن كي يرى العالم ان للمعركة ضد الارهاب وجوها كثيرة على ان العنصر الحيوي في تلك المعركة هو وحدة الشعوب والحكومات في التصدي لنوازع التطرف والتعصب والكراهية والحقد، وهذا النوع من التوحد يجب ان يفتح الاعين على افعال اولئك الذين يعتدون.
ويحتلون شعوبا باكملها فهؤلاء هم الطرف الاخر من معادلة الارهاب الذي آن اوان القضاء عليه من جذوره، بل وتطهير الارضية التي وقف عليها، تلك التي لم تعد خافية على احد.